القدس عربية

28/12/2017


إعداد :أ.د. زيدان كفافي



تقع مدينة القدس فوق احد جبال القدس وترتفع 740م عن مستوى سطح البحر وتبعد حوالي 40كم الى الشرق من شاطئ البحر الأبيض المتوسط. واسم المدينة ذو أصول كنعانية ويعني الإله سالم. وأسم الإله سالم يتكرر كثيرا في كتابات رأس شمرة (أوغاريت) من القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وهو واحد من إلهين: Sahar و Salem وهما ذوا حظوة عند أهل البلد ويوصفان بأنهما إلها الليل والنهار لكن بعض الدارسين لا يتفقون وهذا الإشتقاق كون الإسم (أورشاليم) ظهر لأول مرة في النصوص المصرية المسماة ب «نصوص اللعن» والمؤرخة للقرن التاسع عشر قبل الميلاد. كما ظهر الإسم على شكل Urusalim في رسائل تل العمارنة المؤرخة للقرن الرابع عشر قبل الميلاد، أي بعدة قرون قبل ظهور النبي موسى عليه السلام..

أثبتت التحريات الأثرية التي أجريت في القدس أن البدايات الأولى للناس فيها كانت قبل حوالي خمسين ألف عام خلت، وربما أكثر، لكن ورود اسم القدس في النصوص التاريخية المكتوبة وبأشكاله المختلفة كان أول ما ذكر في نصوص اللعن المصرية المؤرخة للفترة بين حوالي 1800 - 2000 قبل الميلاد.

وتذكر نصوص اللعنة المصرية أيضاً بعض أسماء حكام القدس منها «يقار- عمَو» ، ويرى العالم الانجليزي كنيث كتشن، وهو متخصص بدراسة اللغات السامية، أن أسماء هؤلاء الحكام هي سامية شمالية غربية، وبالتحديد أمورية، وهم من القبائل التي هاجرت من الجزيرة العربية. ويضيف بأن السبب وراء وجود أكثر من اسم حاكم لنفس المدينة، حكموا في نفس الوقت، هو أنه وخلال النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد كان يحكم على المدينة في كنعان حاكمين بوظيفتين مختلفتين، وعلى النحو الآتي: الأول، يحكم داخل المدينة وله الأمر والنهي بخصوص الأعمال الزراعية، والثاني فله السلطة على القبائل الرعوية المنتشرة في المناطق المحيطة بالمدينة.

لكن الأمر اختلف في المرحلة اللاحقة، أي في العصر البرونزي المتأخر (حوالي 1550 – 1200 قبل الميلاد) حين حكمت المدينة من حاكم واحد فقط. ويؤكد على هذا القول المعلومات الواردة في النصوص المكتوبة المصرية من نفس الفترة. إذ ورد في رسائل تل العمارنة المؤرخة للقرن الرابع عشر قبل الميلاد اسم مدينة القدس «أورسالم» وحاكمها «عبدي- حبا/خيبا».

ولا بد لنا من التذكير بأن مجموعة من الباحثين يرون أن هناك تناقضاً بين ما تذكره المصادر التاريخية المكتوبة وطبيعة موقع القدس وأهلها خلال العصور البرونزية المتوسطة والمتاخرة وبداية العصور الحديدية. فهم يرون أن المكان لم يخرج عن كونه قرية صغيرة، أو مزرعة لأحد الشيوخ في المنطقة، والذي كان تابعاً لحاكم مصري كان مسؤولاً عن المنطقة. إذ أنهم يرون أن نتائج الحفريات لا تعطي صورة واضحة عن مدينة اليبوسيين الذين امتلكوا المدينة قبل هذه الفترة، كما أنها لاتثبت وجود مملكة داود وسليمان في القرن العاشر قبل الميلاد. موضحين أن البقايا الأثرية من القرن العاشر قبل الميلاد، هذا إن وجدت، جاءت قليلة ومبعثرة.

وأما عن ذكر اسم القدس في المصادر التاريخية المصريةخلال الألف الأول قبل الميلاد، فلا بد من التنويه أنه ومع انتهاء الألف الثاني قبل الميلاد انحسرت السيطرة المصرية على بلاد الشام عامة، وظهر في المنطقة مجموعة من الدول بعواصم متعددة. لكن الأمر لم يخل من رغبة المصريين من إعادة سيطرتهم على هذه البلاد، لذا نجد أن الفرعون المصري، الليبي الأصل، شيشنق الأول، يقوم في حوالي 925 قبل الميلاد بتجريد حملة عسكرية على فلسطين، وحقق فيها انتصارات على عدد من مدنها، وسجل اسماء المدن التي غزاها على جدران معبد الكرنك، لكن دون ذكر لاسم مدينة القدس. ويفسر الباحثون السبب في هذا يعود لاستسلام ملكها «رحبعام» للفرعون المصري فدخلها دون حرب، لذا لم تسجل بين المدن التي حاربها الفرعون. كما ويرى آخرون أن السبب ربما يعود إلى أن قائمة المدن التي حاربها شيشنق دمرت في بعض المواضع مما تسبب في ضياع ومحو اسماء مدن أخرى كانت أصلاً مدونة في القائمة. أما نحن فنعتقد أن السبب كان لأن المدينة لم تك ذات أهمية سياسية في ذلك الوقت.

ومن نافلة القول، وعلماً من أن الآشوريين سيطروا على بلاد الشام خلال النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، إلاّ أن المصادر الآشورية غفلت عن ذكر اسم مدينة القدس، وربما كان السبب في هذا أن مملكة يهوذا كانت خارج اهتمام الآشوريين، وأن عاصمة مملكة يهوذا لم يكن لها دور فاعل في الأحداث الهامة في منطقة بلاد الشرق الأدنى القديم. وأفضل مثال على هذا أنه حين غزا الآشوريون مملكة «بيت عمري» والتي يسميها الدارسون «مملكة اسرائيل» وحاصروا عاصمتها السامرة قبل أن يدمروها، لم تتعرض يهوذا وعاصمتها أورشليم لأي أذى. وربما يكون السبب أن ملك يهوذا لم ينضم للحلف الذي تشكل من بعض ممالك المنطقة لمواجهة الزحف الآشوري على المنطقة. بل نرى أن يهوذا تخضع لمملكة آشور فيما بعد ذلك وتدفع لها الجزية. ولم يدم الأمر طويلاً، إذ أننا نجد أنه وفي مرحلة لاحقة أن ملك يهوذا «حزقيا»، وبتشجيع من مصر، يمتنع عن دفع الجزية كتحدياً آشور، مما أدى بالتالي إلى قيامهم بتجريد عدد من الحملات العسكرية، أيام الملوك سرجون الثاني وسنحاريب، بلغت ذروتها في محاصرت القدس عام 701 قبل الميلاد. وأضطر أثرها حزقيا على معاودة دفع الجزية وارسال الهدايا لنينوى عاصمة آشور في ذلك الوقت.

بعد وفاة الملك حزقيا تولى الحكم في يهوذا عدد من الملوك، وفي عام 612 قبل الميلاد سقطت نينوى عاصمة مملكة آشور بيد الكلدانيين (الكلديين). نتج عن هذا الأمر أن يهوذا أصبحت في حيرة من أمرها، هل تستمر في خضوعها لحكام بلاد الرافدين؟ أم تتحالف من جديد مع مصر. ويظهر ان ملكها (صدقيا) قرر التحالف مع مصر، مما أدى تعرض بلاده لحملات عسكرية بابلية. لكن النهاية، نهاية يهوذا، كانت في زمن الملك «يهوياقين» الذي تظاهر بالولاء في بداية حكمه للبابليين، إلاَ أنه تمرد عليهم بعد ذلك مما دفع الملك الكلداني نبوخذنصر أن يدخل القدس في عام 586 قبل الميلاد ويدمرها ويسبي أهلها إلى بابل.

سكان القدس قبل الإسكندر المكدوني:

أكدت النشاطات الأثرية على أن المجموعات البشرية جاءت إلى القدس قبل أكثر من خمسين ألف سنة، ولا يستطيع أي باحث أن يقرر جنس أو عرق هؤلاء الناس لغياب الشواهد الكتابية بسبب عدم معرفة الناس للكتابة. وينسحب هذا الأمر على جميع عصور ما قبل التاريخ حتى بداية التدوين، ومعرفة الكتابة في كل من بلاد الرافدين ومصر خلال النصف الثاني من الألف الرابع قبل الميلاد.

ويظهر أنه وخلال المراحل الأولى (حوالي 3500 – 3100 ق.م) والثانية (حوالي 3100 – 2700 ق.م) من العصر البرونزي المبكر سكنت مجموعات من الناس في كهوف طبيعية قرب عين سلوان عثر فيها على بقايا أوانفخارية مشابهة لتلك التي عثر عليها في مواقع معاصرة في كل من فلسطين والأردن. دلتنا المكتشفات الأثرية المكتشفة في القدس، والمؤرخة للألفين الرابع والثالث قبل الميلاد، أنه لا المدينة ولا سكانها لعبوا دوراً فاعلاً في التحولات الإقتصادية، والاجتماعية، التي حصلت في المنطقة خلال هذه الفترة، وأن أهلها كانوا في بداية الأمر رعاة ثم تحولوا إلى الفلاحة في مرحلة لاحقة اعتمدوا الزراعة وتربية الحيوانات أساساً للمعيشة.

ويظهر أن وضع القدس تغير خلال النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد (حوالي 2000 – 1550 ق.م)، حيث أصبحت واحدة من مدن فلسطين المحصنة، بدلالة العثور على أسوار أرخها المنقبون لحوالي 1800 قبل الميلاد، إضافة لذكرها في المصادر التاريخية المصرية المؤرخة لهذه الفترة. ويقول إدوارد لبنسكي أن اسم المدينة المذكور في نصوص اللعن (روشاليمم)، وفي رسائل تل العمارنة (أورسالم) هو سامي الأصل، مما يدل على أن سكان القدس هم من الساميين. واعتماداً على الدراسة اللغوية لهذا الإسم، ومطابقة أسماء حكام القدس الواردة في نصوص اللعن، مع ما يشابهها في أرشيف ماري (تل الحريري)، ذكر لبنسكي أن سكان القدس خلال الفترة بين حوالي 2000 وحتى 1550 قبل الميلاد هم من الأموريين. واقترح أن مساحة الموقع بلغت حوالي 4.4 هكتار (حوالي 44 دونماً) وعدد سكانها تراوح بين حوالي 880 إلى 1100 نسمة.

ويرى كثير من الباحثين أن وضع المدينة خلال المدة بين 1700 وحتى 1200 قبل الميلاد تراجع بدلالة ندرة الآثار المكتشفة في المدينة من هذه الفترة. علماً أن الحفريات الأثرية التي جرت في منطقة دير القديس ستيفان والمدرسة التوراتية الفرنسية في القدس، وفي منطقة تبعد حوالي كيلومتراً إلى الشمال الغربي من عين ستنا مريم، كشفت النقاب عن بقايا مبنى اعتقد المنقبون أنه معبد مصري الطابع، ويؤرخ للفترة بين حوالي 1300- 1200 قبل الميلاد. ومثل هذا الكشف يدل دلالة قاطعة على تواجد جالية مصرية بين سكان القدس في تلك الفترة. وبهذا لم تختلف القدس عن بقية المدن الكنعانية في فلسطين خلال الفترة بين حوالي 1550 وحتى 1200 قبل الميلاد، حينما خضعت جميع منطقة جنوبي بلاد الشام للسيطرة الفرعونية، وسكنت فيها جاليات مصرية. كذلك يرى المتخصصون أن اسم حاكم أورسالم (عبدي – خيبا) الوارد في رسائل تل العمارنة له أصول حورية، حيث أن الكلمة حبَا/خيبا تعني باللغة الحورية «ملك». وبرأينا ان وجود اسم حوري لا يعني بالضرورة أن سكان المدينة كانوا حوريين، بقدر ما يدل على وجود جالية أو أشخاص سكنوا بين السكان الأصليين.

كذلك عثرت بعثة أثرية إيطالية فوق المنحدرالغربي لجبل الزيتون على مدفن عثر بداخله على أوان فخارية وقطع أثرية أخرى بعضها مستورد من قبرص وبلاد اليونان تغطي الفترة الزمنية الممتدة بين حوالي 1700 وحتى 1200 قبل الميلاد. ونسب المنقبون هذا القبر إلى اليبوسيين الذين ذكرتهم التوراة.

واعتماداً على المصادر التاريخية من بلاد الشرق الأدنى القديم، حصل في حوالي 1200 قبل الميلاد تحول جذري ليس فقط في النواحي السياسية والاقتصادية في المنطقة، بل تعداه إلى النواحي الديموغرافية. فحصلت هجرات من مختلف المناطق من وإلى بلاد الشام بشكل عام، وفلسطين بشكل خاص. وللأسف فإن هذه المصادر تصمت كلياً عن الحديث حول منطقة جنوبي بلاد الشام، فاعتمد بعض الباحثين على التوراة فقط عند حديثهم حول الفترة المؤرخة بين حوالي 1200 – 1000 قبل الميلاد.وأما بالنسبة للقدس فيعدَ بعض الباحثين أن ما ورد في سفر يشوع (10: 1- 15) إشارة إلى أن سكانها كانوا أموريين. وتقول القصة أن حرباً اندلعت بين الاسرائيليين بقيادة يشوع وخمسة ملوك أموريين منهم ملك القدس المدعو «أدوني صادق»، وكلمة صادق تكون إما صفة أو اسماً وظهرت أيضاً في الكتابات الأمورية.

فند الدكتور محمود ابو طالب في مقالة نشرها في العدد الخامس عشر من مجلة «دراسات» الصادر عام 1988م، والتي تصدر عن عمادة البحث العلمي في الجامعة الأردنية، وعنوانها:

Jerusalem, the Jebusites and David

قصة احتلال الملك داود الذي حكم بين عامي 1004 وحتى 965 قبل الميلاد لمدينة أورشليم، ووصفتها التوراة بأنها يبوسية. إذ تذكر الأسفار التوراتية في عدد من المواضع، مثل التكوين 10: 16، و 15: 20 ، كلاً من الاسمين «يبوسي» و «يبوسيين»، وأن اليبوسيين شكلوا قسماً من سكان المنطقة.

ورأى بعض الباحثين أن اليبوسيين ذكروا في سجلات تل الحريري وأنهم كانوا واحدة من القبائل الأمورية. ولهذا افترضوا أن الاسم يبوسي ألذي هو في الأصل أموري، أطلق على القبيلة الأمورية التي سكنت القدس، فأعطت اسمها للمكان أيضاً. بينما رفض باحثون آخرون هذا الرأي، ورأوا أن كلمة يبوس أو يبوسي لم ترد إلاَ في الأسفار التوراتية، وأن هذا الاسم أطلق على شخص واحد من سكان القدس فقط ، هو «أرونه»، الذي اشترى منه داود البيدر (صموئيل الثاني 24: 16). ويضيفون أن اسم المدينة بقي على الدوام وخلال العصور البرونزية وبداية الحديدية، كما هو ودون تغيير، أورسالم، وأن تغيير الاسم في الأسفار التوراتية إلى يبوس لم يكن إلاَ لأغراض دعائية. ويوافق هذا الرأي محمود أبو طالب الذي يقول «وليس هناك سوى شكَ يسير في أن اسم المكان، يبوس، إنما هو ابتداع متأخر، ناشيء عن اعتقاد المحررين المتأخرين للعهد القديم بأن الاسم أورشليم (يروشالايم) اسم مقدس، جاء به العبرانيون أنفسهم. فاشتق المحررون اسم يبوس من اسم اليبوسيين، القبيلة التي سكنت أورشليم وسادتها قبل احتلال داود لها، وعدَوا يبوس الاسم الوثني لأورشليم». ويفضل أبو طالب عدم الخوض في أصل اليبوسيين الإثني طالما أن الشواهد عليهم لا زالت محدودة، وأن أورشليم لم تكن إلاَ التلة الجنوبية الشرقية والتي يطلق عليها اسم «الظهوره» ,انها لم تكن مسوَرة. وعلى أية حال، فإن الحفريات الأثرية التي أجريت في هذا المكان لم تكشف النقاب عن أية آثار تدمير نتيجة لإحتلال ولا على تغير في طبيعة سكناها وسكانها. وحتى الأسفار التوراتية لم تذكر أن داود قد أفرغ المدينة من سكانها الأصليين بعد احتلاله لها.

والسؤال المطروح من هم سكان القدس قبل اتخاذها عاصمة لداود؟ القدس جزء من بلاد الشام، ولا تخرج عن كونها إحدى المدن الكنعانية- الأمورية التي سيطرت على جميع البلاد خلال العصور البرونزية. ومن المعلوم أن طبيعة بلاد الشام السياسية تشكلت خلال الفترة بين حوالي 2000–1200 قبل الميلاد، أي قبل ظهور الديانة اليهودية من مجموعة من دول- المدن (الدولة-المدينة) والقرى الأمورية- الكنعانية، وانتشرت فوق جميع مناطق شرقي البحر الأبيض المتوسط. وإذا أخذنا بما ورد في النصوص التوراتية بخصوص من كان في القدس قبل احتلالها من قبل الملك داود، فهي لا تنكر وجود اليبوسيين فيها، وهم مجموعة من أبناء المنطقة المحليين.

حصل في حوالي 1200 قبل الميلاد تغير شامل في بلاد الشرق الأدنى القديم ، إذ سقطت الأمبراطوريات الكبيرة (وادي النيل، وبلاد الرافدين ، وبلاد الأناضول) ، مما أتاح الفرصة لظهور مجموعة من الممالك والمشيخات في بلاد الشام. إضافة للمالك الآرامية، كان هناك الفنيقيون، والعمونيون، والمؤآبيون، والأدوميون، ومملكة اسرائيل العربية (حيث أن اليهود الأوائل هم من أبناء المنطقة العربية)، ودولة شعوب البحر (البلست). وهم جميعاً من أبناء البلاد، وليسوا دخلاء عليها. وبرأينا، فإن دولة اسرائيل الأولى، هي دولة أسسها قسم من سكان جنوبي بلاد الشام، الذين آمنوا برسالة موسى، عليه السلام بعد خروجه مع رهط قليل من أتباعه من مصر ودخولهم سلمياً إلى فلسطين، وهم في الأصل في من أهل البلاد المحليين. ومع مرور الأيام استطاع هؤلاء استقطاب بعض سكان فلسطين للديانة الموسوية، فأصبحوا على مر الأيام أصحاب شأن، واستطاعوا مقارعة المدن الكنعانية الفلسطينية، وشعوب البحر الذين استقروا في منطقة غزة وعسقلان. وبعد إحساسهم بالخطر الذي يهددهم من الدول المحيطة بفلسطين، خاصة بعد قيام الدول الآرامية، قرروا جمع شمل قبائلهم الفلسطينية اليهودية الديانة تحت إمرة الملك شاؤؤل. لكن هذا لم يحكم طويلاً، إذ تبعه الملك داود الذي يعد المؤسس الحقيقي لدولة اسرائيل العربية، ومن ثم تبعه ابنه سليمان. واستطاع هؤلاء العرب اليهود أن يؤسسوا دولة قوية لم تعمر أكثر من سبعين عاماً، انقسمت بعدها إلى دولتين، وذكر بعض ملوكهما، والأحداث التي مرت عليهما في السجلات التاريخية الهامة، مثل الآشورية ومسلة الملك الموآبي ميشع.

ونحن هنا لا نرى أي رابط يربط العبرانيين والإسرائيليين العرب الأوائل، وصهاينة هذه الأيام. فالأوائل هم أبناء هذه المنطقة من سلالة النبي ابراهيم (عليه السلام)، آمن بعض منهم لاحقاً برسالة موسى عليه السلام، ولا خلاف بيننا وبينهم إلاّ في الديانة (علماً أنها سماوية أيضاً). أما صهاينة العصر الحديث، فلا يجمعهم سوى العقيدة الدينية، فهم من اعراق وأجناس متعددة، لم يضمهم مكان واحد في يوم من الأيام، ولا يربطنا بهم أي رابط. وعلى هذا الأساس، فإن ما أوردناه من معلومات في هذه المقالة يجب أن لا يربط بأي حال من الأحوال بدولة اسرائيل العنصرية الصهيونية الحديثة، ولكن يجب أن يعدّ حلقة من حلقات تاريخ بلادنا العربية، وللعرب فيه إن لم يكن كل الحصة، فإنما السهم الأكبر.

خاتمة القول، أثبتت نتائج الحفريات الأثرية، كما دلت النصوص والوثائق التاريخية المكتوبة على أن مدينة القدس، لم تخرج عن كونها إحدى المدن الأمورية-الكنعانية، أسسها وحكمها أمراء وملوك محليون ، اتبعوا ديانات، ومللا، ونحلا اختلفت عبر العصور، كما تعرضت القدس للإحتلال والتحرير أكثر من مرة. لكننا نعزي أنفسنا بالقول، أنه وفي نهاية كل نفق مظلم بصيص من النور.....