البرامج النووية الأردنية 1980 – 2018.. الإنجاز والطموح

12/12/2018

د.عبد الحليم الوريكات

هيئة الطاقة الذرية الأردنية

 

يتضمن هذا المقال دراسة وتحليل للمشاريع والبرامج النووية الأردنية للفترات الزمنية التالية:

1.المرحلة الأولى: (1980- 2000) وتشمل فترة وزارة الطاقة والثروة المعدنية / مديرية الطاقة النووية.

2.المرحلة الثانية: (2001-2007) وتشمل فترة هيئة الطاقة النووية الأردنية.

3.المرحلة الثالثة: (2008-2018) وتشمل فترة هيئة الطاقة الذرية الأردنية.

وأكتب هذا المقال من باب مشاركتي في هذه البرامج في المراحل الزمنية الثلاث المذكورة أعلاه حيث تم اختياري في عام (1987) عضواً في اللجان الرئيسية للمشاريع والبرامج النووية في وزارة الطاقة والثروة المعدنية ممثلاً عن الجامعات الأردنية، ولنجاح مشاركتي في أعمال هذه اللجان فلقد اطلعت على الدراسات الرئيسية في هذا المجال في وزارة الطاقة والثروة المعدنية من بداية عام (1980) واستمرت أعمالي خلال المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة، عضواً في مجلس إدارة هيئة الطاقة النووية الأردنية،وعضواً في مجلس مفوضي هيئة الطاقة الذرية الأردنية حتى عام (2018)، وتبعاً لذلك فإن هذا المقال يتضمن واقع وإنجازات البرامج النووية الأردنية التالية:

 

أولاً: البرامج النووية الأردنية: المرحلة الأولى (1980 - 2000)

وزارة الطاقة والثروة المعدنية/ مديرية الطاقة النووية

لقد شملت مشاريع البرامج النووية الأردنية خلال المرحلة الأولى ما يلي:

أ‌.استكشاف وتعدين اليورانيوم الأردني: باشرت سلطة المصادر الطبيعية في الأردن في الفترة (1979 - 1980) وعام (1986) بمسوحات مغناطسية وإشعاعية جوية عن المواد المشعة وخاصة اليورانيوم لكافة مناطق الأردن، أسفرت عن تحديد مناطق ذات إشعاعية عالية المستوى نسبياً ،وجد أنه من المحتمل أنها تحتوي على كميات كبيرة من خامات اليورانيوم السطحية في ست مناطق من الأردن، شملت وسط الأردن والحسا (القطرانة ) ووادي بهية (باير) والسهب الأبيض (الشيدية ) بالإضافة إلى مناطق أخرى ذات اشعاعية عالية من خام اليورانيوم. ولقد اختارت السلطة منطقة وسط الأردن لدراسات تفصيلية. وحسب التقييم الأولي للسلطة.يمتلك الأردن حوالي (65) ألف طن من مصادر اليورانيوم (أكسيد اليورانيوم) في منطقة وسط الأردن، بالإضافة إلى (100) ألف طن من أكسيد اليورانيوم في الفوسفات الأردني.

وقامت شركة مناجم الفوسفات الأردنية بدور متميز وجهد كبير في مجال استخلاص اليورانيوم من حامض الفسفوريك من خلال مصنع تجريبي مصغر بدعم من الوكالة الدولية للطاقة الذرية جرى تركيبه عام (1989) وتشغيله عام (1990)، وتم الحصول باستخدام هذا المصنع على المعطيات الضرورية للانتقال إلى مرحلة الإنتاجية من خلال اكتساب الخبرة الكاملة بالدرجة الأولى من قبل العاملين الأردنيين في هذا المجال لتأهيلهم للتخطيط والتشغيل للمصنع الإنتاجي. وكانت نتائج التقرير النهائي لتشغيل المصنع التجريبي مشجعة وأمكن الحصول على الكعكة الصفراء المحتوية على اليورانيوم من الفوسفات الأردني.

ب. تنمية الموارد البشرية الأردنية: تعد تنمية الموارد البشرية واحداً من التحديات الأساسية للبرامج النووية الأردنية كونها ضرورية لتزويد البرامج النووية بالقدرات والكوادر البشرية اللازمة لنجاحه. ولمواجهة هذا التحدي عملياً فقد تم تقديم دراسة لبناء مفاعل نووي بحثي في الأردن، وتبعاً لذلك فقد تم عام (1987) تقديم تقرير يتضمن الملاحظات حول الدراسة لإنشاء مفاعل نووي أردني للبحوث والتدريب، والتوصية بأن الأردن بحاجة لمفاعلين نوويين، المفاعل الأول (صفري الطاقة) للبحوث والتدريب ليتم تشغيله عام (1992) ومفاعل آخر متوسط الطاقة (2) ميجاواط ليتم تشغيله عام (1997) وسيكون مخصصاً للبحوث والتدريب وتم الاستفادة خلال هذه المرحلة من دعم الوكالة الدولية للطاقة الذرية والهيئة العربية للطاقة الذرية للمنح والدورات التدريبية والبرامج المتخصصة في البرامج النووية.

 

ثانياً: البرامج النووية الأردنية: المرحلة الثانية( 2001-2007)

هيئة الطاقة النووية الأردنية

تم إنشاء هيئة الطاقة النووية الأردنية عام (2001) لمتابعة البرامج النووية الأردنية أعلاه ولتكون نقطة الاتصال بين الأردن والوكالة الدولية للطاقة الذرية والهيئة العربية للطاقة الذرية في مجالات التكنولوجيا الإشعاعية والطاقة النووية لاعداد وتدريب القوى البشرية وامكانية حصول الأردن على مساعدات من خلال برنامج التعاون التقني تشمل منح ودورات تدريبية وعلى مفاعل نووي للبحوث والتدريب بالإضافة لاستخلاص اليورانيوم الأردني من خامات اليورانيوم في منطقة وسط الأردن أو من خامات الفوسفات الأردني.

كما تميزت مرحلة هيئة الطاقة النووية الأردنية في دعم مشروع تنمية الموارد البشرية في العلوم والتكنولوجيا النووية بإنشاء برنامج البكالوريوس في الهندسة النووية في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية وبرامج الماجستير في الفيزياء النووية والفيزياء الطبية في الجامعات الأردنية الأخرى،وخلال فترة هيئة الطاقة النووية الأردنية وبالتحديد بعد عام (2003) بدأت أسعار الطاقة في الأردن خاصة بالارتفاع بعد وقف المنحة والمساعدة النفطية من العراق الشقيق للأردن وظهرت زيادة كبيرة في تكاليف الطاقة الكهربائية. ونظراً لاعتماد الأردن التام على استيراد أكثر من (95%) من احتياجاته من الطاقة بتكلفة عالية من الناتج المحلي الإجمالي، بالاضافة إلى أن محطات توليد الكهرباء في الأردن قديمة نسبيا،ً ومن المقرر انتهاء صلاحية معظمها بحلول عام (2025)، وفي هذا الاطار الزمني سوف تؤدي الزيادة المتوقعة في استهلاك الكهرباء إلى توسيع الفجوة بين القدرة الكهربائية المتاحة والطلب على الكهرباء.

واستجابة لهذه التحديات، قامت المؤسسة الدولية لمصادر الطاقة عام (2006) بدراسة وتقييم أولي لخيار إقامة محطة للطاقة النووية في الأردن، إضافة إلى دراسة جدوى لمفاعل نووي ذي حجم تجاري، وخلصت نتائج هذه الدراسات لدعم استخدام الطاقة النووية في الأردن. ونظراً لأهمية الطاقة وأهمية العمل على توفير مصادر محلية دائمة لها، فقد تم في عام (2007) وضع الاستراتيجية الوطنية الأردنية للطاقة التي تضمنت تنويع مصادر الطاقة وتطوير واستغلال مصادر الطاقة المحلية وإدخال الطاقة النووية كأحد بدائل توليد الطاقة الكهربائية.

 

ثالثاً: البرامج النووية الأردنية: المرحلة الثالثة (2008-2018)

هيئة الطاقة الذرية الأردنية

تم إنشاء هيئة الطاقة الذرية الأردنية عام (2008) للعمل على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للطاقة النووية وتعزيز الأنشطة الهادفة إلى ترويج الطاقة النووية وتطويرها في الأردن ممثلة ببرنامج الطاقة النووية الأردني للاستخدامات السلمية الذي يشمل المشاريع الرئيسية التالية:

1.تنمية الموارد البشرية الأردنية.

2.استكشاف وتعدين اليورانيوم الأردني.

3.محطة الطاقة النووية الأردنية.

لقد عملت هيئة الطاقة الذرية الأردنية منذ إنشائها على تنفيذ مشاريع البرنامج النووي الأردني الثلاثة وحققت إنجازات واضحة وملموسة في تنفيذ هذه المشاريع، حيث تم استكمال مشروع المفاعل النووي الأردني للبحوث والتدريب وأنشطته وإدخاله في الخدمة للأبحاث والتطبيقات النووية المختلفة وافتتاحه برعاية ملكية سامية في كانون الأول عام (2016)، واستكمال مركز السنكروترون وتشغيله للأبحاث العملية وافتتاحه برعاية ملكية سامية في أيار عام (2017)، كما أرست الهيئة أجزاء كبيرة من البنى التحتية اللازمة للسنوات القادمة لمشروع استكشاف وتعدين اليورانيوم الأردني ومشروع محطة الطاقة النووية الأردنية بالإضافة إلى التنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي واكبت تنفيذ البرنامج النووي الأردني عن كثب من خلال مهمات الخبراء والزيارات الميدانية وأصدرت التوصيات اللازمة حولها وشهدت للهيئة بالإنجازات المتراكمة.

ومن الجدير ذكره ان اجمالي الصرف على جميع مشاريع البرنامج النووي الأردني لهيئة الطاقة الذرية خلال الفترة (2008-2018) قد بلغ (112) مليون دينار فقط حسب الموازنات المخصصة للهيئة في وزارة المالية. ويمكن إيجاز إنجازات عمل هيئة الطاقة الذرية الأردنية خلال هذه الفترة على مشاريع البرامج النووية الأردنية كما يلي :

1.تنمية الموارد البشرية الأردنية

لقد عملت هيئة الطاقة الذرية الأردنية منذ تأسيسها عام (2008) على وضع الآليات التنفيذية المناسبة لضمان نجاحها في تنمية الموارد البشرية الوطنية من خلال ما يلي:

 

أ‌.توفير المنح والبعثات الدراسية وعقد الدورات والتدريب المتخصص في العلوم والتكنولوجيا النووية:

عملت الهيئة من خلال التنسيق مع الدول المتقدمة في مجال الطاقة النووية على ابتعاث طلبة أردنيين لدراسة الماجستير والدكتوراه في العلوم والتكنولوجيا النووية في كل من: فرنسا وروسيا والصين وكوريا الجنوبية واليابان، ولقد بلغ إجمالي عدد الطلبة المبعوثين خارج الأردن في هذه البرامج (175) طالباً وطالبة.

 

ب‌.المنظومة النووية الأردنية دون الحرجة:

لقد تم بناء المنظومة النووية الأردنية دون الحرجة في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، وتم تشغيلها في عام (2013) كأول مرفق نووي في الأردن ووضعها تحت تصرف أعضاء هيئة التدريس والباحثين وطلبة الهندسة النووية في الجامعة للتدريب وإجراء التجارب العلمية المتخصصة في العلوم والتكنولوجيا النووية.

 

ج‌.المفاعل النووي الأردني للبحوث والتدريب

يمثل هذا المفاعل حجر الأساس للبحوث والتدريب في العلوم والتكنولوجيا النووية في الأردن، ويوفر منصة قوية للتدريب والبحث العلمي لطلبة الهندسة النووية والعلوم النووية الأخرى والمهندسين والفنيين لتشغيل المفاعلات النووية وصيانتها وتطويرها، وهو مفاعل متعدد الأغراض بقدرة (5) ميجاواط قابل للزيادة الى(10) ميجاواط وسيتم استخدامه لإنتاج النظائر المشعة الطبية والصناعية لدعم التطبيقات النووية في مجالات الطب والزراعة والمياه والصناعة على مستوى الأردن والمنطقة. كما يضم المفاعل على وحدة التحليل للعناصر باستخدام تقنية التنشيط النيوتروني التي تستخدم في تحديد نسب العناصر وأعمارها في مجال الدراسات في الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا بالاضافة للدراسات في الآثار والبيئة وتحليلات علم الجريمة.

ومن الجدير ذكره أنه تم استكمال هذا المشروع وأنشطته وإدخاله في الخدمة للأبحاث والتطبيقات النووية المختلفة وافتتاحه برعاية ملكية سامية في كانون الأول عام (2016). وبدأت في عام (2017) فترة التشغيل الأولى من جانب الكوادر الأردنية للتحقق من جميع القياسات والتجارب وإعادة إجراء الحسابات النيترونية اللازمة وإصدار التقارير المرجعية التي تم تقديمها للسلطة الرقابية في الأردن المتمثلة في هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن، وقد تُوجت تلك الجهود بنجاح في تشرين الثاني عام (2017)، وتم منح رخصة تشغيل أول مفاعل أردني حرج ليكون حجر أساس لتدريب وتأهيل جميع فئات الكوادر البشرية في المجالات النووية، وليقدم الخدمة نفسها لجميع بلدان المنطقة بوصفه مركز تميز وإبداع ومنارة إشعاعٍ علمي متطور في المنطقة.

وبخصوص النظائر المشعة التي يتم استيرادها للأردن حالياً من الخارج فسيتم إنتاجها باستخدام هذا المفاعل بالتعاون مع مديرية الخدمات الطبية الملكية الأردنية، وسيكون مصنعاً لإنتاج نظائر طبية وصناعية مشعة في الأردن. ولقد تم بنجاح انتاج نظائر اليود (I-131) والموليبوديوم (Mo-99) والأيريديوم (Ir-192) المشعة بشكل أولي وضمن شروط الرخصة التشغيلية الممنوحة للمفاعل النووي الأردني للبحوث والتدريب ،وبإذن الله سوف يتم استخدام هذه النظائر المشعة المنتجة من هذا المفاعل في المستشفيات الأردنية هذا العام، حيث تم وضع خطة تجارية لاستخدام المفاعل تشمل تسويق النظائر المشعة من خلال تحديد حاجة السوق الأردني.

هذا مع العلم بأن المفاعل النووي البحثي الأردني يعمل بكفاءات أردنية وتم تشكيل اللجان العلمية المتخصصة لتوسيع قاعدة استخداماته المختلفة في التعليم والتدريب للطلبة والباحثين في الأردن، كما سيتم استخدامه للتدريب والبحث العلمي كمركز إقليمي ونقطة الاستقطاب الأولى في المنطقة نظراً لأنه يتناول أرقى مناحي العلوم والتكنولوجيا النووية، وليثبت للعالم مجدداً أن الأردن سبّاق في امتلاك نواحي التميز والرفعة مكللة بكونه واحة للأمن والاستقرار التي تجذب أنظار العالم.

 

د. مركز السنكروترون (SESAME):

لقد تم بناء وتشغيل مركز السنكروترون كمركز إقليمي للتميز في البحث العلمي في منطقة الشرق الأوسط بدعم من اليونسكو وباستضافة الأردن له في بلدة علان (محافظة البلقاء)، وينتج هذا المركز ضوء السنكروترون الذي سيستخدم عدداّ من حزم (خطوط) الأشعة، تشمل الأشعة السينية والأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء. وتشمل أهداف مركز السنكروترون دعم التقدم العلمي والتكنولوجي لإجراء البحوث العلمية والتجارب العملية في علوم الفيزياء والكيمياء والأحياء والبيئة والآثار والمواد والتطبيقات المختلفة في الزراعة والصيدلة والطب والهندسة والصناعة من خلال التدريب المتخصص في المختبرات ومراكز السنكروترون العالمية والمشاركة في المؤتمرات والندوات وورش العمل العلمية لمستخدمي ضوء السنكروترون داخل الأردن وخارجه، بالإضافة للاستفادة من دعم المنح والدورات من خلال اتفاقيات التعاون ومذكرات التفاهم مع الدول المختلفة ومراكز السنكروترون والبحث العلمي العالمية.

ومن الجدير ذكره أن الافتتاح الرسمي للمركز قد تم برعاية ملكية سامية في أيار عام 2017 وتشغيل أول خطين من خطوط الأشعة للمرحلة الأولى، وهما خط الأشعة السينية (XRF/XAFS) وخط الأشعة تحت الحمراء (IR)، وقد أصبحا جاهزين لإجراء البحوث العلمية.

لقد استقبل المركز في تموز عام (2018) أول فريق بحثي من مستخدمي ضوء السنكروترون في إجراء أولى تجارب خط طيف الأشعة السينية، كما استقبل المركز فريقاً بحثياً من أساتذة الجامعات الأردنية لإجراء تجاربهم العلمية في علوم البيئة والآثار والجيولوجيا خلال شهر أيلول عام (2018). ويجري حالياً بناء خطين جديدين هما خط علوم المواد (MS) وخط البلورات الجزيئية (MX) وسيتم إدخالهما في الخدمة خلال عامي (2019و2020). كما تم تشكيل فرق البحث العلمي الأردنية من أعضاء الشبكة الأردنية لمستخدمي ضوء السنكروترون (الباحثين وأعضاء هيئة التدريس وطلبة الدراسات العليا من الجامعات ومراكز البحث الأردنية ) لمشاريع الأبحاث العلمية في المجالات المختلفة لأبحاث وتطبيقات ضوء السنكروترون.

 

2.استكشاف وتعدين اليورانيوم الأردني

تضمنت نتائج دراسات سلطة المصادر الطبيعية في أوائل ثمانينات القرن الماضي تواجدا لكميات كبيرة من خامات اليورانيوم في عدة مناطق من المملكة، وبسبب طبيعة رواسب خامات اليورانيوم في منطقة وسط الأردن (موقع سواقة)، فقد اختيرت تلك المنطقة لإجراء أنشطة استكشافية تفصيلية لليورانيوم بحيث كان أول مشروع تموله هيئة الطاقة الذرية الأردنية هو إنشاء شركة تعدين اليورانيوم الأردنية عام (2013) لتتولى إدارة مشروع اليورانيوم في وسط الأردن. وشملت مسؤوليات الشركة استكشاف وتطوير المعالجة المثلى لخام اليورانيوم على نحو يقود إلى تطوير وحدة تعدين على المستوى التجريبي وإنجاز دراسة جدوى بنكية بغرض إنتاج الكعكة الصفراء (U3O8) من الخامات في منطقة وسط الأردن، لتصل إلى إنشاء وحدة تعدين قادرة على إنتاج ما يقارب من (400) طن من الكعكة الصفراء سنوياً، على أن يصل الإنتاج من الكعكة الصفراء إلى (1000) طن سنوياً في النهاية، والاستفادة من المنتج كوقود لمحطة الطاقة النووية في الأردن ومخزن (بنك) إقليمي للوقود النووي.

هذا مع العلم أن الهيئة مع شركة مناجم الفوسفات الأردنية قامت بتنفيذ دراسة جدوى فنية واقتصادية لاستخلاص اليورانيوم من حامض الفوسفوريك- بكلفة مليون يورو- مع احدى الشركات العالمية عام (2009) ولقد كانت نتائج هذه الدراسة ايجابية ومشجعة وجرت مباحثات بين الهيئة وشركة مناجم الفوسفات الأردنية لاستخلاص اليورانيوم من نواتج حامض الفوسفوريك واقترحت الشركة بالدخول بهذه العملية كجزء من التحضير للمشاريع المستقبلية وحسب أولويات العمل في الشركة.

لقد أصدرت شركة تعدين اليورانيوم الأردنية عام (2016) تقريراً لتقدير مخزون اليورانيوم بــ (40) ألف طن، طبقاً لقواعد اللجنة الدولية المشتركة لاحتياطات المواد الخام، وتم تصنيفها كاحتياطات مبوبة وفق التبويب العالمي (JORC)، إذ تؤكد على وجود اليورانيوم في وسط الأردن بكميات تجارية ستعتمدها الشركات المختصة بالاستثمار.

وفي مجال استخلاص اليورانيوم من الخام الأردني، قام فريق شركة تعدين اليورانيوم الأردنية بتصميم العملية الصناعية الخاصة باستخلاص اليورانيوم باستخدام تكنولوجيا النض بالأكوام وتطويرها وجرى اختيارها على مستوى شبه ريادي، وتم بواسطتها استخلاص (1) كيلو غرام من الكعكة الصفراء في عام (2016)، باعتبار هذه الخطوة أساسية لإنتاج اليورانيوم على المستوى التجاري مستقبلاً.

هذا مع العلم بأن فريق عمل متخصص من مختبرات الهيئة قد نجح في مسار آخر لاستخلاص اليورانيوم ببناء وحدة مخبرية عام (2016) أنتجت الكعكة الصفراء من خامات وسط الأردن بنقاوة عالية تزيد عن (90%) وباستخدام موارد ومواد محلية لتقليل الكلفة الاقتصادية.

ومن الجدير ذكره أنه تم عقد اتفاقية للبحث والتطوير في مشروع تعدين خام اليورانيوم في منطقة وسط الأردن بين مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة السعودية وبين هيئة الطاقة الذرية الأردنية في آذار من عام (2017).

 

3.محطة الطاقة النووية الأردنية

أجرت هيئة الطاقة الذرية الأردنية دراسات عديدة وبمشاركة شركات عالمية مختصة بالطاقة النووية لاختيار التكنولوجيا النووية المناسبة للأردن من خلال عطاءات تنافسية وتم اختيار التقنية الروسية لبناء أول محطة نووية تحوي مفاعلين بقدرة (1000) ميجاواط كهرباء لكل منهما وتم اختيار التكنولوجيا الروسية بناءً على عطاء تنافسي شاركت فيه الشركات الفرنسية والكندية والكورية بالإضافة للشركات الروسية، حيث بينت نتائج التقييم الفني والمالي أن العرض الروسي هو الأنسب وشمل العرض المقدم من شركة روس أتوم الروسية الجيل الثالث المتطور للمفاعلات الروسية التي تمتاز بأعلى معايير الأمان والأمن النووي، وفي عام (2017) تم عقد اجتماع للجنة التوجيهية العليا المشتركة للمشروع، وذلك لمناقشة تطور سير العمل بالمشروع والاتفاق على آلية تسريع العمل للوصول إلى قرار استثماري نهائي للمشروع قبل نهاية عام (2017). تم التركيز خلال الاجتماع على الأمور المتعلقة بتمويل المشروع واستقطاب ممولين ومستثمرين جدد في المشروع. وخلال المداولات لتوقيع العقد النهائي، طلب الجانب الروسي تغطية القروض من بنوك تجارية، وهذا الأمر زاد من قيم تكاليف المشروع خاصة أسعار بيع الكهرباء للسوق المحلي، الأمر الذي لم توافق عليه الحكومة الأردنية، وبذلك تم إلغاء اتفاقية تطوير المشروع الموقعة بين هيئة الطاقة الذرية الأردنية وشركة روس أتوم الروسية، التي تنص على اشتراك الطرف الأردني والطرف الروسي بتمويل مشروع إنشاء المحطة، حيث أنّ العرض التمويلي الذي تقدم به الطرف الروسي أصبح لا يُلبي الشروط المنصوص عليها في الاتفاقية من حيث سعر الكهرباء المحدد بـ (7) قروش للكيلو واط ساعة كسقف أعلى، إضافة إلى طلب الطرف الروسي من الطرف الأردني كفالة مالية للدين المقدم للمشروع. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ إلغاء اتفاقية تطوير المشروع لم يرتب على الحكومة الأردنية أو هيئة الطاقة الذرية الأردنية أية تبعات قانونية أو مالية.

ومن الجدير ذكره أن الهيئة أنجزت حتى الآن دراسات بخصوص مشروع المحطة النووية الأردنية تناولت دراسة خصائص الموقـع، ودراسة سوق الكهرباء، ودراسة الشبكة الكهربائية، ودراسة نظام تبريد المحطة، ودراسة الأثر البيئي للمحطة، وهذه الدراسات ليست خاصة بتكنولوجيا المفاعلات النووية الروسية فحسب، بل هي دراسات تتعلق بالتكنولوجيا النووية بشكل عام، وسيتم البناء عليها للاستمرار بمشروع المحطة النووية الأردنية باستخدام أية تكنولوجيا نووية أُخرى.

وقد استمرت هيئة الطاقة الذرية الأردنية ومن خلال القنوات الرسمية بالتفاوض مع الجهات الدولية الأخرى المزودة للتكنولوجيا النووية لبناء محطات الطاقة النووية لتوليد الكهرباء من خلال مفاعلات الماء المضغوط الكبيرة (PWR) أو المفاعلات النووية الصغيرة المدمجة (SMRS) ومن بينها مفاعلات الحرارة العالية المبردة بالغاز (HTR) والتي تمتاز بخصائص الأمان الذاتية وعدم إمكانية انصهار الوقود النووي عند الحوادث النووية. هذا مع العلم أن الهيئة تعمل حاليا على إجراء دراسات جدوى للمفاعلات الصغيرة المدمجة (SMRs) ومن ضمنها مفاعلات (HTR) وهي ذات كلف منخفضة نسبياً ولا تحتاج إلى تطوير الشبكة الكهربائية ، كما أنّها تتحمل زلزالية عالية ولا تحتاج إلى كميات كبيرة من الماء للتبريد. و خلال السنة الحالية (2018) وقعت الهيئة مذكرتي تفاهم مع المؤسسة النووية الوطنية الصينية (CNNC) لإجراء دراسات جدوى للتكنولوجيا الصينية طراز (HPR-1000) و (HTR-PM) والتوجه إلى دراسة نظام الإنشاء-التملك-التشغيل- نقل الملكية (BOOT).

وفي هذا المجال ، تم في آذار من عام (2017) توقيع مذكرة تفاهم لدراسة الجدوى الاقتصادية لبناء مفاعلين نوويين بتقنية المفاعلات الصغيرة المدمجة طراز (ٍSMART) وبقدرة (110) ميجاواط كهرباء لكل مفاعل في المملكة الأردنية الهاشمية لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه بين مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة السعودية (KACARE) والمعهد الكوري لبحوث الطاقة الذرية (KAERI ) وبين هيئة الطاقة الذرية الأردنية.

 

 

الخلاصة

بدأ العمل الفعلي والدراسات للبرامج النووية الأردنية في عام 1980 عندما باشرت سلطة المصادر الطبيعية بمسوحات اشعاعية جوية لكافة مناطق الأردن أسفرت عن تحديد عدة مناطق اشعاعية تحتوي على خامات اليورانيوم ،والعمل على تنفيذ الخطط المناسبة لتنمية القدرات والكوادر البشرية الأردنية في العلوم والتكنولوجيا النووية لنجاح هذه البرامج من خلال دعم المنح والدراسات والبرامج التعليمية والدورات التدريبية المتخصصة.

وبعد عام( 2004 ) ظهرت تحديات صعبة واجهت الأردن في قضايا الطاقة والمياه نظراً لأن الأردن يستورد معظم احتياجاته من الطاقة بالاضافة لشح المياه.ولمواجهة هذه التحديات فقد تم في بداية عام 2008 انشاء هيئة الطاقة الذرية الأردنية لادخال الطاقة النووية كأحد بدائل توليد الطاقة الكهربائية وللعمل على تطوير الاستيراتيجية الوطنية للطاقة النووية وتعزيز الأنشطة التي تهدف الى ترويج الطاقة النووية وتطويرها في الأردن.

لقد تميزت فترة هيئة الطاقة الذرية الأردنية بتحقيق انجازات واضحة وملموسة في تنفيذ مشاريع البرنامج النووي الأردني شملت بناء وتشغيل مشروع المفاعل النووي الأردني للبحوث والتدريب وادخاله في خدمة الأبحاث العلمية والتطبيقات النووية المختلفة واستكمال بناء مركز السنكروترون وتشغيله للأبحاث العلمية والتطبيقية واصدار تقرير لتقدير مخزون اليورانيوم في منطقة وسط الأردن بـ(40) ألف طن لاحتياطات مبوبة عالمياً واستخلاص اليورانيوم لانتاج الكعكة الصفراء كخطوة أساسية لانتاج اليورانيوم على المستوى التجاري مستقبلاً، بالاضافة لاستمرار التفاوض لبناء محطات نووية لتوليد الكهرباء من المفاعلات النووية الكبيرة والمفاعلات النووية الصغيرة المدمجة كخيار مناسب للأردن في الوقت الحاضر.

وفي الختام نستطيع القول ان برامج الطاقة النووية وتطبيقاتها المختلفة في شتى مجالات حياتنا اليومية قد أصبحت سمة من سمات الحياة المعاصرة سواء في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في قطاعات الطب والزراعة والمياه والصناعة والتعدين أو في مجال توليد الكهرباء أو انتاج النظائر المشعة أو في البحوث العلمية وتطبيقاتها المختلفة، بالاضافة للاسهام في مجموعة من الفوائد تشمل بناء القدرات والكوادر البشرية المؤهلة و ضمان الانتاج الآمن لطاقة محلية اقتصادية ومستقرة والاستقلالية في توليد الطاقة بعيداً عن التقلبات السياسية العالمية والاسهام الفعال في تطوير بنى تحتية وتعزيز التقدم العلمي والاجتماعي والاقتصادي ، وتبعاً لكل هذه المزايا للبرامج النووية لا بد من دعم نجاح برنامج الطاقة النووية الأردني لأهميته وأثره في القطاعات المختلفة لتلبية احتياجات التنمية الوطنية الأردنية الشاملة ووضع الأردن في مرتبة علمية متقدمة تليق به بين دول المنطقة والعالم .

 

يمثل المفاعل النووي الأردني للبحوث والتدريب حجر الأساس للبحوث والتدريب في العلوم والتكنولوجيا النووية في الأردن، ويوفر منصة قوية للتدريب والبحث العلمي لطلبة الهندسة النووية والعلوم النووية الأخرى والمهندسين والفنيين لتشغيل المفاعلات النووية وصيانتها وتطويرها، وهو مفاعل متعدد الأغراض بقدرة (5) ميجاواط قابل للزيادة الى(10) ميجاواط وسيتم استخدامه لإنتاج النظائر المشعة الطبية والصناعية لدعم التطبيقات النووية في مجالات الطب والزراعة والمياه والصناعة على مستوى الأردن والمنطقة. كما يضم المفاعل وحدة التحليل للعناصر باستخدام تقنية التنشيط النيوتروني التي تستخدم في تحديد نسب العناصر وأعمارها في مجال الدراسات في الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا بالاضافة للدراسات في الآثار والبيئة وتحليلات علم الجريمة