المُستفيدون والخاسِرون.. من «التطبيع» السعودي ـ الإيراني

12/03/2023

 

*محمد خرّوب

«هزة في الجغرافيا السياسية».. هكذا وَصفتْ صحيفة وول ستريتت جورنال الأميركية, الإعلان عن «تطبيع» علاقات القوّتين الإقليميتين الكبيرتين في المنطقة، وخصوصاً ان «اتفاقية بيجين» جاءت برعاية صينية, ما أسهم من بين أمور أخرى في بروز الصين, التي دخلت هي الأخرى مرحلة جديدة وغير مسبوقة بانتخاب الرئيس شي جين بينغ بـ"الإجماع» لدورة رئاسية ثالثة, لم يحدث سابقاً ومنذ عهد الزعيم الصيني البارز ديننغ هيساوبينغ ان احداً من الرؤساء الذين سبقوه (بعد ديننغ) ان واصل مسيرته السياسية على رأس جمهورية الصين الشعبية أكثر من دورتين. وها هو «شي» يأخذ على عاتقه التأسيس على رأس جمهورية الصين الشعبية أكثر من دورتين, لمرحلة جديدة, ليس من ضمنها حصر الرئاسة بدورتين إثنتيْن».

ما علينا...
الصحيفة الأميركية التي لا تقل نفوذاً وتأثيراً عن صحيفتي واشنطن بوست ونيويورك تايمز ربطت «الزيادة الحادّة» في نفوذ الصين في الشرق الأوسط، بـ"التخلّي» الأميركي المُبرمَج والمقصود عن منطقتنا، بل ان واشنطن بدلاً من ذلك «ركّزت» فقط على صراع «نفوذ» مع الصين وروسيا.

باتت المنطقة إذاً أمام تحوّل نوعي سيكون له تداعياته وتأثيراته الإيجابية بالتأكيد, إذا ما وصل إلى خواتيمه, وإذا ما بدأت الرياض وطهران ترجمة ما وردَ في «إتفاق بيجين» على أرض الواقع. خصوصاً لجهة إعادة فتح سفارتيهما وممثلياتهما خلال مدة أقصاها شهران, إضافة إلى تفعيل اتفاقية التعاون الأمني بينهما الموقعة في/17 نيسان 2001، والإتفاقية العامّة للتعاون في مجال الاقتصاد والتجارة والإستثمار المُوقعة في 27/5/ 1998, ناهيك عمّا يمكن ان ينتج من الإجتماع المُنتظر بين وزيري خارجية البلدين, في ظل أجواء إيجابية تشي برغبة الطرفين في تجاوز الخلافات وبناء الثقة, التي عكستها مضامين الإعلان الثلاثي السعودي الإيراني الصيني. على النحو الذي فسّرته «تغريدة» وزير الخارجية السعودي قال فيها: إن استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران يأتي انطلاقاً من رؤيتها, القائمة على تفضيل الحلول السياسية والحوار وحرصها على تكريس ذلك» مضيفاً ان «المنطقة يجمعها مصير واحد وقواسم مُشتركة تجعل من الضرورة ان تتشارك سوِيّا لبناء نموذج للإزدهار والإستقرار لتنعم به شعوباً»
.
هنا والآن يغيب بالضرورة الخطاب الفتنوي المذهبي الذي استثمر فيه كثيرون, رغبة منهم في إبقاء حال التوتر والإستنزاف متواصلة, في منطقة لم تعرف الإستقرار بل شهدت سلسلة من الحروب والأزمات والحرائق على نحو لم تشهده منطقة اخرى في العالم. ما سمح بحال من الإستقطاب واللعب على الحافّة والإتكّاء على سياسة المحاور, التي سعت فيها واشنطن وخصوصاً تل أبيب الى كتابة جدول أعمال المنطقة وتحديد أولوياتها واعتبار الإحتلال الصهيوني لفلسطين موضوعاً ثانويّا, فيما بدتا (واشنطن وتل أبيب) وكأنهما تريدان دفع العرب وإيران(كعدو مُشترَك للعرب وواشنطن وتل أبيب), الى مزيد من الإحتراب والعداء والمواجهات, التي لم تستفد شعوب المنطقة فيها بل عانت ودفعت أكلاف صراعات مفتعلة, كان يمكن لخطوات بناء الثقة والحوار وإسكات المنابر الإعلامية, ان تفضي الى أجواء تهدئة تقود الى قواسم مشتركة, يمكن ان تتعاظم إذا حسنت النوايا وتم ترجمة الأقوال الى أفعال.

المستفيدون من خطوات التطبيع السعودي/الإيراني كثيرون وفي مقدمتهم الرياض وطهران, بعد سبع سنوات عجاف من المواجهة والخصام, بل وأبعد من ذلك كاد ان يقود المنطقة الى خراب عميم, ناهيك عن راعية الاتفاق ونقصد الصين, التي استطاعت بدبلوماسية رصينة ودور غير منحاز قبِله الطرفان ورحبا به, ان يوصِل مفاوضات/حوارات الأيام الأربعة في العاصمة بيجين الى نهاية سعيدة. أثارت حفيظة البعض وأدخلت غيرهم وخصوصاً تل أبيب وواشنطن وباريس ولندن في حال من الإرتباك. فشلت في تفاديه حتى عندما» رحّبتْ» على استحياء بما حصل، غامزة من طرف طهران مُنكِرة عليها التزام بنود إتفاق بيجين. فضلاً عن تخوّفها – بل رفضها – للدور الصيني المقبل في المنطقة.

وإذا كانت دولة العدو الصهيوني قد أبدت قلقاً عميقاً ومخاوف كبيرة من عودة العلاقات السعودية الإيرانية, واصفة نُخبها الحزبية ووسائل إعلامها ما حصل على أنه «فشل وبصقة في وجه إسرائيل»، فإن محاولات بعض قادتها إبعادهذا الإنطباع عبر «تحميل» الإدارة الأميركية مسؤولية ما حدث، فإن الإئتلاف الفاشي الحاكم سيحاول إبقاء «الخيار العسكري» على الطاولة, متذرعاً بالشائعات التي تتحدّث عن إيران باتت تتقدّم كثيراً نحو تخصيب اليورانيوم بنسبة 9%. ظنّاً من نتنياهو وزمرة الفاشيين أنهم بذلك سينجحون في خلط الأوراق وعرقلة قطار التطبيع السعودي الإيراني من الوصول لمحطته النهائية. ونحسب أنهم لن يحصدوا سوى الخيبة والفشل, لأن الرياض وطهران أدركتا بعمق ان لا سبيل الى «إراحة المنطقة».. دولهاوالشعوب, سوى الحوار وبناء الثقة وإغلاق » أبواب » الفِتن المذهبِية.
*محمد خرّوب

«هزة في الجغرافيا السياسية».. هكذا وَصفتْ صحيفة وول ستريتت جورنال الأميركية, الإعلان عن «تطبيع» علاقات القوّتين الإقليميتين الكبيرتين في المنطقة، وخصوصاً ان «اتفاقية بيجين» جاءت برعاية صينية, ما أسهم من بين أمور أخرى في بروز الصين, التي دخلت هي الأخرى مرحلة جديدة وغير مسبوقة بانتخاب الرئيس شي جين بينغ بـ"الإجماع» لدورة رئاسية ثالثة, لم يحدث سابقاً ومنذ عهد الزعيم الصيني البارز ديننغ هيساوبينغ ان احداً من الرؤساء الذين سبقوه (بعد ديننغ) ان واصل مسيرته السياسية على رأس جمهورية الصين الشعبية أكثر من دورتين. وها هو «شي» يأخذ على عاتقه التأسيس على رأس جمهورية الصين الشعبية أكثر من دورتين, لمرحلة جديدة, ليس من ضمنها حصر الرئاسة بدورتين إثنتيْن».

ما علينا...
الصحيفة الأميركية التي لا تقل نفوذاً وتأثيراً عن صحيفتي واشنطن بوست ونيويورك تايمز ربطت «الزيادة الحادّة» في نفوذ الصين في الشرق الأوسط، بـ"التخلّي» الأميركي المُبرمَج والمقصود عن منطقتنا، بل ان واشنطن بدلاً من ذلك «ركّزت» فقط على صراع «نفوذ» مع الصين وروسيا.

باتت المنطقة إذاً أمام تحوّل نوعي سيكون له تداعياته وتأثيراته الإيجابية بالتأكيد, إذا ما وصل إلى خواتيمه, وإذا ما بدأت الرياض وطهران ترجمة ما وردَ في «إتفاق بيجين» على أرض الواقع. خصوصاً لجهة إعادة فتح سفارتيهما وممثلياتهما خلال مدة أقصاها شهران, إضافة إلى تفعيل اتفاقية التعاون الأمني بينهما الموقعة في/17 نيسان 2001، والإتفاقية العامّة للتعاون في مجال الاقتصاد والتجارة والإستثمار المُوقعة في 27/5/ 1998, ناهيك عمّا يمكن ان ينتج من الإجتماع المُنتظر بين وزيري خارجية البلدين, في ظل أجواء إيجابية تشي برغبة الطرفين في تجاوز الخلافات وبناء الثقة, التي عكستها مضامين الإعلان الثلاثي السعودي الإيراني الصيني. على النحو الذي فسّرته «تغريدة» وزير الخارجية السعودي قال فيها: إن استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران يأتي انطلاقاً من رؤيتها, القائمة على تفضيل الحلول السياسية والحوار وحرصها على تكريس ذلك» مضيفاً ان «المنطقة يجمعها مصير واحد وقواسم مُشتركة تجعل من الضرورة ان تتشارك سوِيّا لبناء نموذج للإزدهار والإستقرار لتنعم به شعوباً»
.
هنا والآن يغيب بالضرورة الخطاب الفتنوي المذهبي الذي استثمر فيه كثيرون, رغبة منهم في إبقاء حال التوتر والإستنزاف متواصلة, في منطقة لم تعرف الإستقرار بل شهدت سلسلة من الحروب والأزمات والحرائق على نحو لم تشهده منطقة اخرى في العالم. ما سمح بحال من الإستقطاب واللعب على الحافّة والإتكّاء على سياسة المحاور, التي سعت فيها واشنطن وخصوصاً تل أبيب الى كتابة جدول أعمال المنطقة وتحديد أولوياتها واعتبار الإحتلال الصهيوني لفلسطين موضوعاً ثانويّا, فيما بدتا (واشنطن وتل أبيب) وكأنهما تريدان دفع العرب وإيران(كعدو مُشترَك للعرب وواشنطن وتل أبيب), الى مزيد من الإحتراب والعداء والمواجهات, التي لم تستفد شعوب المنطقة فيها بل عانت ودفعت أكلاف صراعات مفتعلة, كان يمكن لخطوات بناء الثقة والحوار وإسكات المنابر الإعلامية, ان تفضي الى أجواء تهدئة تقود الى قواسم مشتركة, يمكن ان تتعاظم إذا حسنت النوايا وتم ترجمة الأقوال الى أفعال.

المستفيدون من خطوات التطبيع السعودي/الإيراني كثيرون وفي مقدمتهم الرياض وطهران, بعد سبع سنوات عجاف من المواجهة والخصام, بل وأبعد من ذلك كاد ان يقود المنطقة الى خراب عميم, ناهيك عن راعية الاتفاق ونقصد الصين, التي استطاعت بدبلوماسية رصينة ودور غير منحاز قبِله الطرفان ورحبا به, ان يوصِل مفاوضات/حوارات الأيام الأربعة في العاصمة بيجين الى نهاية سعيدة. أثارت حفيظة البعض وأدخلت غيرهم وخصوصاً تل أبيب وواشنطن وباريس ولندن في حال من الإرتباك. فشلت في تفاديه حتى عندما» رحّبتْ» على استحياء بما حصل، غامزة من طرف طهران مُنكِرة عليها التزام بنود إتفاق بيجين. فضلاً عن تخوّفها – بل رفضها – للدور الصيني المقبل في المنطقة.

وإذا كانت دولة العدو الصهيوني قد أبدت قلقاً عميقاً ومخاوف كبيرة من عودة العلاقات السعودية الإيرانية, واصفة نُخبها الحزبية ووسائل إعلامها ما حصل على أنه «فشل وبصقة في وجه إسرائيل»، فإن محاولات بعض قادتها إبعادهذا الإنطباع عبر «تحميل» الإدارة الأميركية مسؤولية ما حدث، فإن الإئتلاف الفاشي الحاكم سيحاول إبقاء «الخيار العسكري» على الطاولة, متذرعاً بالشائعات التي تتحدّث عن إيران باتت تتقدّم كثيراً نحو تخصيب اليورانيوم بنسبة 9%. ظنّاً من نتنياهو وزمرة الفاشيين أنهم بذلك سينجحون في خلط الأوراق وعرقلة قطار التطبيع السعودي الإيراني من الوصول لمحطته النهائية. ونحسب أنهم لن يحصدوا سوى الخيبة والفشل, لأن الرياض وطهران أدركتا بعمق ان لا سبيل الى «إراحة المنطقة».. دولهاوالشعوب, سوى الحوار وبناء الثقة وإغلاق » أبواب » الفِتن المذهبِية.

 المقال مقتبس من صحيفة الرأي ويعبر عن رأي كاتبه