مشروعية دعوى الزوجة الافتراق للافتداء PDF طباعة أرسل إلى صديق

مركز الرأي للدراسات : ورشة عمل قانون الخلع والعذر المحل وحقوق المرأة

ورقة في مشروعية دعوى الزوجة الافتراق للاقتداء

المسمى بالخلع قضائياً

كتبها القاضي عوض حسين رواجبة

عضو محكمة الاستئناف الشرعية

دائرة قاضي القضاة

 17/8/2003م

إن الإنسان هو الإنسان متعدد الأهواء والرغبات والطموحات والأهداف وهو نفسه متقلب المزاج ومتعدد المصالح فمرة يفضل هذا وبعدها يقلع عنه ومرة يحب ومرة يكره ومرة يسر ومرة ينزعج قال تعالى: (إن سعيكم لشتى).

وفي زواجه قد يكون تزوج لغرض في نفسه أو لطمع أو لصفة في الزوجة يبحث عنها فلا تتحقق وهي كذلك فقد تتزوج على غرض معين أو صفة في الزوج أو طمعاً في شيء فيه فلا تتحقق وقد يدخل عوارض في حياتهما الزوجية فقد يفتن بأخرى وهي تفتن بآخر وقد تحن إلى وطنها وأهلها فتريد الرجوع إليهم بأي ثمن وقد تراه كذلك يحن إلى وطنه ويريد الرجوع إليه وهي لا تفارق أهلها وقد تصاب بحادث بدني أو نفسي يغير رأيها في زواجها وقد تعجز عن الإنجاب والزوج يريده ولكنه يتمسك بها لجمالها أو لمالها وقد يظهر أنه عقيم أو معلل وحب الولد لا يفارقها مهما أحسن إليها وقد تنفر منه وتبغضه بعد أن كان العشيق والهوى وقد ترى منه بغضه لها مع إيفائه لحقها ولكن هذا ليس مطمئناً لها ولا تسكن نفسها له وأضحت تخشى ضياع عمرها على هذا الحال كما تخشى لدينها أن لا تقيم حدود الله وأحكامه بطاعته وأداء واجباته التي من أجلها تزوج وحلم بها قبل أن يتزوج فماذا تصنع؟

لقد أجاز لها الشرع الشريف أن تطلب منه الافتراق بالحسنى وعلى أن ترد له حقوقه وما تكلفه من نفقات على زواجه بحيث لا تظلمه فيما له من حق ولا تظلم نفسها بحياة لا رضا فيها ولا هناء، فإذا امتنع من إجابة طلبها بالتراضي عادت لتسأل نفسها مرة أخرى ماذا تصنع؟ والإسلام يمنع اللجوء إلى المكر واصطناع الحيل والمكائد كما يمنع تهديده بفضحه والتكلم عليه لإجباره على ذلك ولهذا فتح لها باب اللجوء إلى القضاء طالبة إلزامه بالافتراق مقابل ما تفتدي نفسها به من مال وهو الطلب المسمى بالخلع وبطلبها تصبح مهمة القاضي الوصول بالزوجين إلى الإصلاح من أمكن فإن عجز فبالتفريق بينهما مقابل افتدائها بعد أن لا يكون من سبيل سوى ذلك وبذلك يطبق دستور الحياة الزوجية في الإسلام وهو (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان).

هذا وليس بالضرورة أن يكون طلبها عن بغضاء وكراهية فقد تطلب الافتراق بينها وبينه حباً فيه ورحمة به لأنها لا تجد نفسها صالحة وله ويه تعرف نفسها وتريد له أن يعيش بفراقها مع أخرى وهي لعل الله سبحانه وتعالى يرزقها ما يناسبها بما يكون أفضل من حياة المعاناة التي يعيشها معها وتعيشها معه و تريد العودة إلى وطنها أو إلى زوجها السابق أو لينجب من زوجة غيرها حيث لم يمكنها أو لتنجب من زوج غيره حيث لم يمكنه ومن تأمل في الحياة الاجتماعية أو رأى ما يجري في المحاكم الشرعية وجد ذلك صحيحاً.

وطلب المرأة الافتراق مقابل الافتداء المسمى بالخلع إن كان عن ضرر من جانب الزوج فمبرره القاعدة الشرعية (الضرر يزال) وقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) وإن كان لا عن ضرر منه وإنما لسبب من جهتها كبغضها إياه أو كراهيتها أو ضيقها بظروفه التي لا تناسبها ولا دخل له فيها فمبرره العدالة بين البشر وتساويهما في الحرية الإنسانية في اعتبار أن لها الحق في أن تحب وتبغض وتطيع وترفض وأن تعيش عمرها المحدود بصدق وصراحة بما يتفق ورغبتها وطموحها وقديماً قالوا: (أوسع بيت هو الذي فيه حبيبك ولو كان خيمة وأضيق بيت هو الذي فيه بغيضك ولو كان قصراً) وقال الشاعر العربي:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بُدّ

ومساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات من العدالة فلا تعطي المرأة وهي تفترق لهذه العدالة ولا تنشىء جيلاً سوياً مستقيماً وهي تعيش بدونها.

ومن هنا كان شرع الله تعالى في رفع الجناح عن الزوجين في افتداء المرأة نفسها مقابل طلاقها وأخذ الرجل لهذه الفدية وإجابة طلبها دون أن يحوجها إلى دعوى النزاع والشقاق والضرر وما فيها من فضح أسرار البيوت وإحضار الشهود والإجراءات الطويلة وقد تجد من يشهد لها وقد لا تجد وقد توافق الشهادة الدعوى وقد لا توافقاه وبعد الموافقة يطعن في الشهود وقد لا يطعن – وقد تكسب الدعوى وقد لا تكسبها فماذا تصنع؟

(فصل في التعبير الصحيح عن طلب المرأة الافتراق مقابل الافتداء) – درج الفقهاء على تسميته بأنه خلع بضم الخاء واللام بمعنى تخلع المرأة زوجها عنها بهذه الدعوى كما وضعوا له أبواباً بهذا الاسم في كتب الفقه تسامحاً إلا أنه تعبيرا منفرا لأنه نم مادة خلع يخلع واسم الفاعل خالع وخالعة واسم المفعول مخلوع وخليع ومنه الخلاعة والأمر منه اخلع وانخلع وكلها ألفاظ منفرة للذوق العربي ولم يستعمل القرآن الكريم مادة (خلع) إلا مرة واحدة جاءت خلع النعلين في سورة طه: (فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) كما أن العرف يقضي بأن من قال عن غيره خالع أو مخلوع كان غالطاً عليه يستحق التأديب – وقد رجا كثير من الناس ذوي الأصول العربية الأصيلة الابتعاد عن تسمية هذا التفريق بالخلع وقال بعضهم: (نحن ما نقبل هذا كيف تخلعني المرأة وأصبح مخلوعاً في المجتمع سموه أي سم غير الخلع والله إن هذا يشين الرجال).

وهو وإن كان كل من الزوجين لباسا للآخر كما في قوله تعالى: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) إلا أن القرآن الكريم مدرسة الأدب واللغة لم يعبر بلفظ الخلع عن مفارقة كل نم الزوجين للآخر بل عبر بلفظ الطلاق والتسريح عن فراق الرجل للمرأة وفيهما أدب وذوق.

وإطلاق سراح كما أنه عبر عن مفارقة الزوجة لزوجها بأجل من ذلك وأروعه وهو التعبير بالافتداء كما في قوله تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) وفيه تعظيم لجانب الرجل بأنه آخذ الفدية وهذا يفيد العلو والرفعة فهو السلطان بالنسبة إليها ومالك عصمتها في هذا الأمر وفي جانبها فهي مفتدية وكأنها المحتاجة له ليقبل فديتها وهذا أدب رفيع بين الزوجين لا ينفر منه أحد كما نفر الرجال في مصر من هذه التسمية عند صدور القانون بها عام 2000 وكما نفر كثير من الرجال ومنهم كثير من أعضاء مجلس النواب الأردني.

وبالتعبير بالافتداء صدر قانون الأسرة اليمني رقم 3 لسنة 1987 في المادة 52 منه وبه صدرت كثير من الأحكام الشرعية في أبو ظبي والبحرين والمملكة العربية السعودية على الفقه الإسلامي وخصوصاً مذهب الإمام أحمد بن حنبل حيث لم تقنن فيها الأحوال الشخصية بعد - زد على ذلك أننا هنا في الأردن ومنذ سنتين ونحن ننظر قضايا طلبات الزوجات الافتراق عن أزواجهن للافتداء المسمى بالخلع وكم عرض كثير منهم أن يسامحها ببعض حقوقه التي ستردها إليه مقابل أن يطلقها هو طلاقاً مقابل الأبراء وهو بنفس المعنى فأبت إلا أن تخلعه خلعاً وبدعوى خلع وتمتنع عن إبرائه بشيء من حقوقها إلا بهذه الدعوى نكايةً به – مما يتعين معه تغيير اسم الدعوى والطلب باسم طلب التفريق للافتداء أو مقابل الافتداء وبذلك نرجع إلى التعبير القرآني البليغ.

بعد هذه المقدمة نذكر أدلة مشروعة دعوى المرأة به أمام القضاء فنقول:

أولاً:

من القرآن الكريم في سورة البقرة آية 229 (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) قال القرطبي في تفسيره ج3، ص136: (والخطاب للأزواج وهي دليل على أن أخذ الزوج للفدية على الطلاق جائز ولكنه مقيد بألا يأخذها إلا بعد الخوف ألا يقيما حدود الله) ص137 – (والمعنى أن يظن كل منهما بنفسه أن لا يقيم حق النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهته فلا حرج على المرأة ن تفتدي نفسها ولا حرج على الزوج أن يأخذ الفدية والخطاب للزوجين لأن ضمير المثنى في (يخافا) راجع لهما.

واختار أبو عبيد أن الخطاب للولاة والحكام لقراءة حمزة (إلا أن يخافا) بضم ياء المضارعة على ما لم يسم فاعله والفاعل محذوف وهو الولاة والحكام ولقوله عز وجل في الآية (فإن خفتم) قال فجعل الخوف لغير الزوجين ولو أراد الزوجين لقال (فإن خافا) وفي هذا حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان قلت (أي القرطبي) وهو قول سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وقال شعبة قلت لقتادة عمّن أخذ الحسن أن الخلع إلى السلطان قال عن زياد وكان والياً لعمر وعلي) ص138 – أما حدود الله بين الزوجين فهي ما يجب على كل واحد منهما لصاحبه من حسن الصحبة وجميل العشرة والمخاطبة هي للحكام وللمتوسطين بينهما لمثل هذا الأمر وإن لم يكن حاكماً وترك إقامة حدود ما أنزل الله من جانبها هو استخفافها بحق زوجها وسوء طاعتها له وقا عطاء بن أبي رباح (أن تقول المرأة لزوجها إني أكرهك ولا أحبك ونحو هذا) وكما قالت امرأة ثابت بن قيس والله ما أعيب عليه من خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام) وقد كانت تبغضه أشد البغض وفي رواية أنها قالت (والله لا يجتمع رأسي ورأسه أبداً) ص39 – ملخصاً. (والذي عليه الجمهور من الفقهاء أنه يجوز الخلع من غير اشتكاء ضرر من الزوج كما دل عليه حديث البخاري عن امر
أة ثابت وغيره) ص142.

ثانياً:

ومن السنة حديث ابن عباس في صحيحي البخاري والنسائي المار ذكره في قصة امرأة ثابت بن قيس جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله هذا ثابت بن قيس ما أعيب عليه من خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تردين عليه حديقته فقالت نعم: فقال رسول الله عليه السلام لثابت: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) فامتثل.

قال الإمام محمد الأمير الصنعاني المتوفى 1182هـ في كتابه سبل السلام شرح بلوغ المرام في أحاديث الأحكام ج3 ص229: (وما أمره صلى الله عليه وسلم بتطليقه لها فهو أمر إرشاد لا إيجاب – كذا قيل – والظاهر بقاؤه على أصله من الإيجاب ويدل له قوله تعالى: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) فإن المراد يجب عليه أحد الأمرين حصراً وهنا قد تعذر الإمساك بمعروف لطلبها الفراق فتعين عليه التسريح بإحسان.

وقال الإمام الشوكاني المتوفى عام 1250هـ في كتابه نيل الأوطار ج6 ص289 – في شرح هذا الحديث: (قال ابن حجر في كتابه فتح الباري هو أمر إرشاد وإصلاح لا أمر إيجاب ولم يذكر ما يدل على صرف الأمر عن حقيقته)، أي في الوجوب والفرض كما هو ثابت في علم أصول الفقه إذ لا يصرفه عن الوجوب إلا صارف وألا يبقى على حقيقته للوجوب.

وعبارة الشوكاني واردة في هذا المعنى ومعناه في مثل هذه الدعوى أن المرأة إذ عرضت على زوجها افتداء نفسها مقابل أن يطلقها أنه يجب عليه أن يطلقها فإن أبى فالسلطان يوقعه عليه ومعلوم أن السلطان نائب عن الأمة والشرع وينوب عنه القاضي المختص بذلك.

ثالثاً:

اجتهادات المجتهدين ونستعرض ذلك فيما يلي:

أ‌- ما قاله الإمام الفيلسوف أبو الوليد بن رشد الفقيه المالكي والقاضي بالأندلس توفي عام 595هـ في كتابه بداية المجتهد ج2 ص57 باب الخلع (واسم الخلع والفدية والصلح والمبارأة كلها تؤول إلى معنى واحد هو بذل المرأة العوض عن طلاقها) – ثم قال ص59: (والفقه أن الفداء إنما جعل للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من اللطلاق فإنه لما جعل الطلاق في يد الرجل إذا فرك المرأة جعل الخلع بيد المرأة إذا فركت الرجل).

ب‌- وأورد الونشريسي المالكي في كتابه المعيار المعرب في جمع فتاوى أهل الأندلس والمغرب المتوفى في 914هـ ج3 ص272  فتوى الشيخ أبي الحسن اللخمي في الأندلس رحمه الله سئل عن رجل من أهل القرآن تزوج بكراً وأبوها وأخوها من أهل القرآن وطلب العلم وأحدث الرجل شرب الخمر ومخالطة أهل السوء وجاهر معهم بشربها وأراد أبو الزوجة الآن فراقها منه وأبي الزوج قبض النقد والمخالعة فهل للأب في ذلك مقال أم لا؟ فأجاب: (الأب وكيل البنت فإذا علم أن تزويجه إياها لذلك الرجل ليس بصواب ويخشى أن يفسد دينها ويدخلها فيما لا يجوز من الشرب وغيره ولا يرجى لمثله عاقبتها معه فرق بينه وبينها) ومعناه أنه يلزم الزوج بقبض النقد وهو الفدية مقابل الطلاق جبراً لأن الزوج رافض ذلك صلحاًً.

ت‌- وقال الشيخ علاء الدين المرداوي المتوفى 885هـ في كتابه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل – طبعة إحياء التراث ج8 ص282 كتاب الخلع (قوله أي الخرقي: (وإذا كانت المرأة مبغضة للرجل وتخشى أن لا تقيم حدود الله في حقه فلا بأس أن تفدي نفسها منه).

فيباح للزوجة ذلك والحالة هذه على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب وجزم الحلواني بالاستحباب – أما الزوج فالصحيح من المذهب أنه يستحب له الإجابة وعليه الأصحاب واختلف كلام الشيخ تقي الدين رحمه الله في وجوب الإجابة عليه وألزم به بعض حكام الشام المقادسة الفضلاء). هذا نصه – والشيخ تقي الدين هو ابن تيمية – واختلف كلامه كما ورد في الفتاوى.

ث‌- ومذهب الإمام مالك يقول بالتفريق بين الزوجين بدعواها الضرر والشقاق والنزاع كما لخصه كتاب القوانين الفقهية لابن جزي ص214 (إذا أشكل الأمر وساء ما بين الزوجين وتكررت شكواهما ولا بينة مع واحد منهما ولم يقدر على الإصلاح بينهما فيبعث حكمان من جهة الحاكم وينفذ تصرفهما بما يريانه من تطليق أو خلع من غير إذن الزوج وذلك بعد أن يعجز عن الإصلاح بينهما وإذا حكما بالفراق فهي طلقة بائنة).

- وعليه فقد أجاز هذا المذهب الذي أخذت به كل قوانين الدول العربية وأخذ به قانون الأحوال الشخصية الأردني في المادة 132 منه أن يفرق الحكمان جبراً على الزوج في دعوى النزاع والشقاق لدفع ما تحقق لهما من ضرر أو استحكام شقاق ونزاع حلاً وفصلاً بين الزوجين فلأن يجوز تفريق القاضي بين الزوجين حيث لم تدع المرأة ضرر زوجها و استحكام لنزاع بينها وبينه ومن غير احتياج لإقامة البينة وسماع الشهود وفضح الأسرة وإنما ادعت بغضها لزوجها وخشيتها نم أن لا تقيم حدود الله في البقاء معه مما لا يعالج ببعث الحكمين لأن البغض لخلقة الزوج أو لشخصيته أو لعقله أو لعلة فيه وخشيتها القلبية من أن لا تقيم حدود الله في البقاء معه لا يتأتى الشهادة عليه ولا إصلاح الحكمين له فذلك أولى بالتفريق إذا افتدت نفسها برد ما أخذت وتكلف وتنازلت عما بقي لها في ذمته. يؤيد ذلك:

(1) إن سلطة الحكمين بالتفريق بينهما في دعوى النزاع والشقاق استمدت من القاضي في بعثهما للإصلاح بينهما فيجوز له التفريق عند عدم جدوى بعثهما كما حصل في قضية ثابت بن قيس أو بعد بعثهما إذا عجز عن الإصلاح بينهما – كما هو المذهب والفقه.

(2) ثم إن مهمة الحكمين الفعلية في دعوى التفريق للشقاق والنزاع هي محاولة إصلاح ذات بينهما بعد عجز القاضي عن ذلك فإن عجزا كذلك فبيان المسيء منهما للآخر ونسبة هذه الإساء وذلك لتقسيم المهر بينهما على هذه النسبة فإذا تحملت الزوجة كل أسباب الإساءة وبرأته من أي سبب كامرأة ثابت بن قيس ورضيت برد ما قبضته من مهر أو تكلفة من نفقات الزواج وتنازلت عما بقي لها في ذمته من غير تقسيم أو بحث إساءته لها أو إساءتها له وأعلنت بغضها له وخشيتها من أن لا تقيم حدود الله في البقاء معه وتحملت كامل المسؤولية ألا يكون ذلك أولى بتفريق القاضي بدعواها هذه من تفريق الحكمين بدعوى النزاع والشقاق والضرر واخصر في الإجراءات وأعدل حيث يكون الحكم بإقرارها وتنازلها بنفسها لا كما يستخلصه الحكمان من أسباب الإساءة ويستنتجانه.

رابعاً:

قانون الأسرة اليمني رقم 3/1987 مادة 52 قالت: (إذا طلبت المرأة الحكم بالفسخ للكراهية وجب على الحكم أن يتحرى السبب.

أ‌) فإن ثبت له بعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها للإصلاح بينهما.

ب‌) وإلا أمر الزوج بالطلاق، فإن امتنع حكم عليها بالفسخ وعليها أن ترجع المهر) وهذا هو طلاق الافتداء المسمى بالخلع قضائياً وبأمر القاضي.

وقد ورد في شرح هذه المادة للقاضي محمد بن يحيى المطهر عضو محكمة النقض العليا في صنعاء في كتابه أحكام الأحوال الشخصية من فقه الشريعة الإسلامية ج1 من ص216-224 قال: (من الخيارات للزوجة في الفسخ ما اختاره بعض العلماء للكراهية المستحكمة من الزوجة للزوج وقد يكون نم أسباب هذه الكراهية صفات خلقية ذميمة كدمامة في الخلق أو قصر مفرط أو ضعف في العقل فيحصل النفور المستمر ولا يتأتى معه إقامة حدود الله في العلاقة الزوجية من طاعة وامتثال لأمر الزوج وتعاون معه وتراحم وعند ذلك يكون لها الحق في التقدم إلى الحاكم بطلب الفسخ فإذا تقدمت فيحسن بالحاكم بذل محاولة الإصلاح بعد التعرف على أسباب النفور التي تكون لا لتنافر في الطباع وإنما لأسباب قد تزول فإن لم يتمكن بعث الحكمين عملاً بقوله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها) فإن لم يصلحا بينهما ووجدوا سبب الكراهية هو تعمده الإضرار بها كان على الحاكم الفسخ لرفعه ذلك الضرر ولا فدية له عليها وإن قررا أنه لا ذنب له في هذه الكراهية وإنما لأسباب خاصة بها أوجبت نفورها ويئس من التئام الحال بينهما وفقدت به الغايات النبيلة من الزواج فقد جعل لها السبيل في المخالعة وال
افتداء منه بقوله تعالى: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) فيلزمه الحاكم بمخالتها وترد عليه ما أمهرها به لأنه قد بذل تكاليف الزواج وأنفق وأمهر على أساس استدامة الزواج فلما كان النفور من جهتها وكانت هي الطالبة للفرقة وجب أن يرد إليه ما أخذ منه فإن أبى طلاقها فسخ سبيلها الحاكم وأمرها بالعدة.

ودليل ذلك حديث امرأة ثابت بن قيس وقد حمل بعضهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) على أنه أمر إرشاد لا حتم فيه ولا دليل على ذلك فالأمر حقيقة في الوجوب إلا مع قرينة تدل على أنه للإرشاد ولا قرينة هنا فامتثل ثابت بن قيس للأمر وقبل الحديقة وطلقها تطليقة فلولا أن ذلك حق للمرأة لم يلزم بإخلاء سبيلها ولعلها لم تفتقر على بعث حكمين بينهما لأن سبب الكراهية كانت ما أشارت إليه من صفاته الخلقية التي لا يكون في مستطاع الحكمين إزالتها والله أعلم، وهذا وقد اختار قانون الأسرة رأي أهل الفسخ إذ جاء في مادة 52 كان ذكرت بنصها).

خامساً:

ومن اجتهادات ومطالبات علماء هذا العصر بإصلاح قوانين الأسرة والأحوال الشخصية في بلاد المسلمين بعد أن رأوا ما آلت إليه الأسرة وتربية الأولاد من تفكك وانحطاط وعقوق للوالدين حتى وصل الأمر إلى الهجرة من البلاد هرباً من هذه المشاكل وحتى وصل الأمر إلى التحلل من الدين والعقيدة – والعياذ بالله – لكثير من أفراد المسلمين ومن هؤلاء العلماء والمصلحين:

(1) أمير الجماعة الإسلامية في الهند أبو الأعلى المودودي في كتابه الذي نشره عام 1943 باسم حقوق الزوجين دراسة نقدية لقانون الأحوال الشخصية والذي طبع في الهند والباكستان 17 مرة قبل أن يترجمه أحمد إدريس إلى العربية في مصر عام 1979 طبعة المختار فقد عقد فصلاً للمخالعة بين الزوجين وضرورة تدخل القضاء في ذلك عند امتناع الزوج وللإيجاز نقتطف منه هذه الفقرات.

1- قال: ص44 (وكما أعطى الشرع الإسلامي للرجل حق طلاق المرأة التي يبغضها ولا يقدر على العيش معها أعطى كذلك للمرأة الحق في أن تختلع نفسها ممن تبغضه ولا تقدر على العيش معه بأي حال ثم قال: (غير أن القانون الذي مهمته تحديد حقوق الأفراد إنما يعطي المرأة حق الخلع بوصفها زوجة مثلما يعطي الرجل حق الطلاق بصفته زوجاً حتى يتمكن كلاهما وقت الحاجة من التحرر من رباط الزوجية دون أن يتورط أحدهما في حالة يكون قلبه مليئاً بالكراهية والنفور تجاه شريكه ولم تتحقق أغراض زواجه ومقاصده وصارت هذه الرابطة كارثة عليه وهو مرتبط بالآخر لا يستطيع منه فكاكاً).

2- وقال: ص45 (وحق المرأة في هذا لم يأت في القرآن الكريم مطلقاً على القيود وإنما جاء حسب قوله تعالى: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلى أن يخافا أن لا يقيما حدود الله – فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها) فهو مقيد بـ:

أ‌- أن يكون في حالة يخشى فيها تعدي حدود الله.

ب‌- إذا أردت التحرر فعليها أن تضحي بالمال مثلما يتحمل الرجل عند الطلاق التضحية بالمال فلا يسترد شيئاً مما أعطاها ويتحمل التبعات المالية المترتبة على الطلاق.

ت‌- فإن عرضت الفدية وطلبت التفريق مقابلها وامتنع الرجل حق لها الرجوع إلى القضاء كما هو ظاهر قوله تعالى: (فإن خفتم) فالخطاب هنا موجه إلى أوامر المسلمين – لأن واجب أولي الأمر حماية حدود الله ومن ثم يلزم عليهم إذا شعروا بالخوف من تعدي حدود الله وعدم إقامتهم بين الزوجين أن يعطوا المرأة حقها الذي أعطاه الله لها من أجل الحفاظ على حدود الله.

3- وقال ص47: (فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في هذا الموضوع في قضية امرأة ثابت بن قيس التي كرهته لدمامة خلقته وقالت يا رسول الله بي من الجمال ما ترى وثابت رجل دميم وما أعتب عليه في خلق ولا دين) فسمع عليه السلام دعواها وأمره بتطليقها بعد أن وافقت على أن ترد عليه مهره الذي أعطاها فامتثل.

4- وقال ص49: (وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما عرضت عليه قضية مثلها نصح المرأة بالبقاء مع زوجها فلم تقبل نصيحته فأمر بحبسها في مكان ثلاثة أيام ثم أخرجها وسألها عن حالها فقالت له (لقد كانت هذه راحة لي لم أر مثلها) فأمر عمر زوجها بقوله: (اخلعها ويحك ولو من قرطها).

5- وقال ص49: (فالرسول صلى الله عليه وسلم قد اعتبر دمامة الزوج وقبح شكله وكراهية امرأته له سبباً كافياً للخلع واستجاب لطلبها بذلك لأن عواقب ربط رجل وامرأة في علاقة زوجية بالجبر والإكراه في حال وجود النفرة والكراهية بينهما ستكون أوخم وأشد إفساداً للدين والأخلاق والمجتمع من تطليقها منه فهناك خوف وخطر من أن تموت أغراض الشريعة من هذا الزواج.

6- وقال ص51: (وإذا طلبت المرأة الخلع ورفض الزوج ورفع الأمر إلى القاضي أمره بتطليقها وقد جاء في كافة الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين أصدروا أحكامهم في مثل هذه القضايا بقبول المال وبتطليق الزوجة وحكم القاضي يعني بأي حال أن المحكوم عليه ملزم بتنفيذه وإذا لم ينفذه فللقاضي أن يسجنه لأن منزلة القاضي في الشريعة ليست منزلة الناصح المشير وكفى بحيث يكون حكمه مجرد مشورة ويكون للمحكوم عليه أن يقبله أو لا يقبله ولو كانت منزلة القاضي هكذا لكان فتح أبواب المحاكم أمام الناس عبثاً لا معنى له.

7- وقال ص55: (فإن لم يكن للقاضي فعلاً سلطكة في هذا الأمر غير الاستماع إلى الشكوى وأن الزوج إذا رفض خلع زوجته عجز القاضي عن إرغامه على قبول حكمه فإن الرجوع إلى القاضي أصلاً يعتبر حمقاً وبلهاً لأن نتيجة الذهاب إليه وعدم الذهاب إليه واحدة. ولكن ما ورد في الأحكام عن الرسول والخلفاء كانت كلها بصيغة الأمر (طلقها) و(فارقها) و(خلا سبيلها) وعليه فلا مجال للشك بعد هذا أن للقاضي يصدر الحكم في مسألة الخلع ولا نجد مثالاً واحداً في عهد النبي عليه السلام والخلفاء الراشدين لرجل أمره أحدهم بأمر فتجرأ على عصيانه وعدم الامتثال له.

ونستطيع قياس ذلك أيضاً على حكم سيدنا علي رضي الله عنه حين قال لرجل في قضية عرضت عليه فامتنع: (لست ببارح حتى ترضى بمثل ما رضيت به) يعني لن أتركك ما لم ترض بقبول حكم الحكمين مثلما رضيت المرأة بذلك فإذا جاز للقاضي حسبما ورد في هذه الواقعة أن يحبسه فمن باب أولى يحق له أن يرغمه على قبول حكمه هو وتنفيذه وليس ثمة من داع على الإطلاق لأن يسلب هذا الحق من القاضي في مسألة الخلع فقط دون سائر أمور الدنيا ومعاملاتها وإن في كتب الفقه جزئيات كثيرة نال القاضي فيها سلطة التفريق بين الزوجين إذا رفض الزوج تطليقها فلم لا تكون للقاضي نفس السلطة في مسألة الخلع.

8- وص56 (وإن الضوابط التي ذكرها الفقهاء الكرام في مسألة الزوج العنين والمحبوب والمصاب بالجذام والأبرص والمجنون وبعض المسائل الأخرى أصبح ضرورياً في وجودها أن يحصل القاضي على السلطة المطلقة في خلع المرأة كذلك وإلا وقعت النساء فريسة تلك المواقف التي لن يكون أمامهن فيها سوى أن يعشن طول العمر حياة كلها هم وشقاء أو أن ينتحرن أو تجبرهن غرائزهن على التدلي والسقوط في مزالق الرذيلة والفحشاء أو يضطررن للارتداد عن دينهن ليتحررن من قيد هذا الزواج.

9- ص57 إلى 59 – ثم ضرب لذلك مثلاً في مسألة زوجة العنين على مذهب أبي حنيفة للتدليل على: كم من الظلم يلحق المرأة إذا لم تجد في القضاء حلاً لها في المخالعة وشرح ذلك واستوفى.

10- ص53 قال: (والخطأ هو خطؤنا حين نسلب نساءنا حقهن في الخلع ونجعل تنفيذه أو عدم تنفيذه – خلافاً للشرع – معتمداً على رغبة الرجل في ذلك – والمظالم التي وقعت وتقع على النساء بهذا لا يقع وزرها ومسؤوليتها على قانون الله ورسوله وإنما على اعتقادنا الخاطىء أن الشارع جعل الخلع يتم بين الزوجين كلية دون تدخل من القاضي وأن تدخل القاضي فيه خارج عن نطاق سلطته وهذا خلاف غرض الشارع تماماً لأن غرض الشارع الحكيم لم يكن على الإطلاق جعل أحد طرفي الزواج لا حول له ولا طول في يد الطرف الآخر إن ذلك لو حدث لضاعت المقاصد والأهداف الأخلاقية والاجتماعية الرفيعة التي أراد الشارع تحقيقها بالزواج).

11- ثم قال نفس الصفحة: (وهل في وسع أحد أن يتجرأ ويتهم شريعة الله ورسوله بهذه التهمة الباطلة الصريحة الظلم المتناهية الإجحاف بحق المرأة. وإن تجاسر فليأتنا بدليله وبرهانه – من الكتاب والسنة لا من أقوال الفقهاء – على أن الله ورسوله لم يخولا القاضي أية سلطة في مسألة الخلع بين الزوجين.

(2) وكذلك الشيخ الدكتور عبد الرحمن الصابوني – سوريا – في رسالته الدكتوراه لكلية الشريعة والقانون بعنوان مدى حرية الزوجين في الطلاق في الشريعة الإسلامية دراسة مقارنة والتي أقرها الأزهر ونال عليها شهادة الدكتوراه وقدم لها عالم سورية الشيخ مصطفى السباعي وعالم مصر الشيخ محمد أبو زهرة – عقد فيها مبحثاً بعنوان (إذا طلبت الزوجة المخالعة من زوجها فهل يجب عليه أن يلبي طلبها فيطلقها) من ص618 إلى ص629 – جاء في خلاصته بعد أن استعرض أقوال الفقهاء:

(أ‌) (إذا فشل الزواج واستحال العيش الكريم في هذا البيت وأصبح جحيماً لا يطاق فإني لا أجد إلا القول بأن الزوجة إذا طلبت المخالعة من زوجها وأصرت على ذلك رغم محاولات الإصلاح والتوفيق فيجب على الزوج إجابة طلبها كما في حادثة امرأة ثابت بن قيس).

(ب‌) ثم قال: (إن الحياة ليست طعاماً وشراباً وملبسً ومسكناً إنها وراء ذلك كله وأن الزوجة إنسان من لحم ودم تشعر بما يشعر به الرجل فإذا وجدت في زوجها ما لو وجده فيها لطلقها فماذا تفعل؟ - إذا لم تجد في زوجها السعادة التي يحققها الزواج بين الناس كأن تجد فيه بعض العيوب خلقية كانت أو جسمية أو نفسية وتأبى كرامتها أن تثير هذا أمام القضاء فماذا تفعل)؟

(ت‌) ثم قال فإذا لم يستجب الزوج لطلبها بالمخالعة فما على الوجة إلا أن ترفع أمرها إلى القاضي فيفرق بينهما مخالعة – وبهذا تنال الزوجة حقاً بمفارقة زوجها – وبتقرير هذا الحق لها نتخلص بذلك من انتقادات مريرة يوجهها إلينا أصاحب الأغراض السيئة الذين يريدون أن ينالوا من هذا الدين الكريم).

(3) هذا وقد طالب بذلك المستشار سالم البهنساوي مستشار إدارة شؤون القصر في الكويت بمقاله المنشور في مجلة الوعي الإسلامي الذي تصدر عن وزارة الأوقاف في الكويت عدد 163 رجب 1398هـ بمقاله (الخلع وحماية حق المرأة بين الشريعة والقانون) فقال بعد أن استعرض القوانين العربية (هذا حاصل النصوص القانونية وكلها شرطت الخلع بقبول الرجل دون أن تنص على أنه عند تعسفه يكون للزوجة أن تلجأ إلى القضاء فيأمر الزوج به فهذه القوانين متناقضة مع نفسها لأنها تبيح التطليق للضرر (أي الشقاق والنزاع) دون أن تحمل الزوجة شيئاً فكان الأولى أن تنص هذه القوانين على اختصاص القاضي بالحكم بالخلع إذا عرضت الزوجة المقابل المادي أي الافتداء) ورفضه الزوج وتحق الموجب لحل هذه الرابطة وقضية امرأة ثابت بن قيس فيها أمر الرسول صلى الله عليه وسلم له بتلطيقها مقابل ردها للمهر فامتثل. والأمر للوجوب ولم يصرفه عنه أي صارف كما ذكر الشوكاني في نيل الأوطار ولأن طبيعة الحياة الزوجية التي حددها الله تعالى بقوله: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) لا مال فيها للإكراه عليها سواء وقع الإكراه على الرجل أو على المرأة ولهذا كان الطلاق للرجل وكان الخلع للمرأة حقاً خالصاً لها إذا ام
تنع من تطليقها ولا شك أن ربط الخلع بحال موافقة الزوج فقط فيه سلب لهذا الحق وإبطال له ولهذا نرى أن يلزمه القاضي بالمخالعة إذا امتنع عنه – ومن هنا نرى أن ما استخلصه الدكتور أحمد الغندور من قضية زوجة ثابت بن قيس – صحيح. إذ نص على: (أنه عند عدم إمكان الصلح بينهما يأمر القاضي الزوجين بالمخالعة على أن تدفع الزوجة المهر لزوجها أو العوض المقرر من قبل القاضي).

ملاحظة: كان نص الدكتور أحمد الغندور المشار إليه هو في مشروع أول قانون للأحوال الشخصية للكويت الذي قدمه لها عام 1978. وكان قد ذكر ذك في كتابه الأحوال الشخصية في التشريع الإسلامي وما عليها العمل في محاكم الكويت طبعة 72 ص417 قال (ومن الخير أن يستنبط من حديث الرسول في واقعة امرأة ثابت بن قيس أن يكون للقاضي حق المخالعة بين الزوجين إذا رفعت الزوجة إليه أمرها بأنها لا تطيق زوجها بغضاً وأن العشرة بينهما صارت مبعث الشقاء وأنها على استعداد لدفع العوض الذي يقرره القضاء بعد بحث نوع الشقاق وعدم إمكان الصلح بينهما فيأمر القاضي الزوجين بالمخالعة على أن تدفع الزوجة المهر الذي دفعه الزوج لها أو العوض المقرر من قبل القاضي فإن رضي بذلك فبها ونعمت وإن لم يرض الزوج ألزمه القاضي بالقبول. وفي حكم الرسول لامرأة ثابت بن قيس تشريع خالد وعلاج حاسم وقطع للمنازعات بين الزوجين).

سادساً:

من أحكام المحاكم الشرعية بذلك حسب الفقه الإسلامي وقبل صدور القوانين بذلك حكم محكمة أبو ظبي الشرعية المنشور في مجلة العدالة التي تصدرها وزارة العدل في الإمارات العربية – السنة الثالثة عدد 11 يوليو 1976 ص120 قالت:

المبدأ القانوني: للمرأة الحق في الافتداء ويحكم القاضي بالتفريق:

الوقائع:

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع المرافعة وأقوال الشهود وبما أن الطرفين قد صادقا على عقد الزواج الشرعي الصادر عن محكمة أبو ظبي الشرعية في تاريخ 17/4/1975م وحيث أن الزواج إنما جعل لغرض سام وهو التكاثر والتناسل وتكثير سواد المسلمين في ألفة ومحبة وانسجام ولما كان من الثابت أنه نم حين عقد هذه الزوجية كما جاء بأقوال المدعية لم يهنأ المتعاقدان بما يهنأ به المتزوجون ولما كان حق القاضي بالتفريق يثبت له بناء على ولايته العامة في رفع الضرر عن الناس وكانت المرأة قد تبغض زوجها وتود الخلاص منه وقد يأبى ذلك رغبة فيها أو ضناً بما أنفق عليه من مال، فقد فتح الشارع لها باب الافتداء وروى البخاري عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله هذا ثابت بن قيس لا أعيب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام تريد أنها تكره أن تكفر بالعشير باضطرارها إلى سوء معاشرته إذا أكرهت على البقاء معه وكان قد أمهرها حديقة له فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم أتريدين عليه حديقته؟ قالت نعم فقال له: (اقب الحديقة وطلقها تطليقة) وهذا أمر من الرسول صلى الله عليه وسلم للزوج بما يجب عليه أن يفعل في مثل هذا الحال
وفي رواية أنها قالت نعم وزيادة فقال صلى الله عليه وسلم أما الزيادة فلا.

وقد جاء في بداية المجتهد ص46 الجزء الثاني (والفقه أن الفداء إنما جعل للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق فإنه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا فرك المرأة جعل الخلع بيد المرأة إذا فركت الرجل) وهذا يقتضي أنها إذا رغبت في الفداء وجب على الزوج أن يجيبها إليه، ويقول العلامة ابن قدامة في كتابه المغني في مذهب الإمام أحمد بن حنبل: (إن المرأة إذا كرهت زوجها لخلقه أو خلقته أو كبره أو ضعفه وخشيت أن لا تؤدي حق الله في طاعته جاز لها أن تخالعه على عوض تفتدي به نفسها لقوله تعالى فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) سورة البقرة الآية 229 وقد يتزوج المتفرقان كل منهما بآخر فيجد عوضاً عما فقدا ويجد كل منهما في الزوجية الجديدة الهناء والآمال المنشودة، بل أنه جوز الفقهاء أن تخالع زوجها في مقابل مال متى كرهته دون عيب فيه.

الحكم:

حكمت المحكمة حضورياً بالآتي:

1- بالتفريق بالطلاق على مال بين المدعية مفيدة ......... وبين المدعى عليه عبد الله محمد .........

2- على المدعية أن تدفع لمدعى عليه ستة آلاف درهم مجموع ما قبضته من مقدم صداقها منه وإسقاطها لحقها في مؤخر صداقها وقدره ستة آلاف درهم.

3- الطلاق على مال يقع بائناً حسب الأصول الشرعية وليس للزوج مراجعة المدعية إلى عصمته إلا بعقد ومهر جديدين وبإذنها ورضاها.

4- على من خسر الدعوى المصاريف قانوناً.

السيد علي الهاشمي

قاضي محكمة أبو ظبي الشرعية

سابعاً:

وأخيراً ما قررته جمهورية مصر العربية في القانون رقم 1 لسنة 2000 بشأن تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية الصادر في 29 يناير لعام 2000 وفي موضوع الخلع بين الزوجين جاءت المادة 20 منه فقالت "للزوجين أن يتراضيا فيما بينهما على الخلع فإن لم يتراضيا عليه وأقامت الزوجة دعواها بطلبه وافتدت نفسها وخالعت زوجها بالتنازل عن جميع حققها المالية والشرعية وردت عليه الصداق الذي أعطاه لها حكمت المحكمة بتطليقها علي – ولا تحكم المحكمة بالتطليق للخلع غلا بعد محاولة الصلح بين الزوجين وندبها لحكمين بموالاة مساعي الصلح بينهما خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر وعلى الوجه المبين  في الفقرة الثانية من المادة 18 والفقرتين الأولى والثانية من المادة 19 من هذا القانون وبعد أن تقرر الزوجة صراحة أنها تبغض الحياة الزوجية مع زوجها وأنه لا سبيل لاستمرار الحياة الزوجية بينهما وتخشى أن لا تقدم حدود الله بسبب هذا البغض.

ولا يصح أن يكون مقابل الخلع إسقاط حضانة الصغار أو نفقتهم أو أي من حقوقهم ويقع بالخلع في جميع الأحوال طلاق بائن.

ويكون الحكم في جميع الأحوال غير قابل للطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن).

وما تقوله الفقرة اثانية من المادة 18 المشار إليها: (إنه في دعاوى التطليق لا يحكم بها إلا بعد أن تبذل المحكمة جهداً في محاولة الصلح بين الزوجين وتعجز عن ذلك فن كان للزوجين ولد تلزم المحكمة بعرض الصلح مرتين على الأقل تفصل بينهما مدة لا تقل عن ثلاثين يوماً ولا تزيد على ستين يوماً).

وما تقوله الفقرة (1) من المادة 19 المشار إليها: (في جميع دعاوى التطليق التي يوجب فيها القانون ندب حكمين يجب على المحكمة أن تكلف كلاً من الزوجين بتسمية حكم من أهله قدر الإمكان في الجلسة التالية على الأكثر فإن تقاعس أيهما عن تعيين تحكمه أو تخلف عن حضور تلك الجلسة عينت المحكمة حكماً عنه).

وما تقوله فقرة (2) من المادة 19 المشار إليها: (وعلى الحكمين المثول أمام المحكمة في الجلسة التالية لتعيينهما ليقررا ما خلصا إليه معاً فإن اختلفا أو تخلف أيهما عن الحضور تسمع المحكمة أقوالهما أو أقوال الحاضر منهما بعد حلف اليمين).

ثامناً:

 وما استدلال الطرف المخالف والقائل بلأأنه لا يجوز للقاضي سماع دعوى المرأة طلبها الافتداء من زوجها المسمى بالخلع إذا امتنع عن إجابة طلبها. وأن الافتداء المسمى بالخلع لا يكون إلا بموافقة الزوج. استدلالهم بالحديثين التاليين:

(الحديث الأول) عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة). رواه الخمسة إلا النسائي وهم الترمذي وأبو داود وابن ماجه وأ؛مد.

(الحديث الثاني) حديث أبي أيوب السختياني عن الحسن البصري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المختلعات هن المنافقات).

فالجواب على هذا الاستدلال من وجوه:

1- أجاب الإمام ابن حزم الظاهري رحمه الله تعال المتوفى 456هـ في كتابه المحلى جزء 11 ص278 طبع إحياء التراث على الحديث الأول بـ(إن هذا الخبر لا حجة فيه بالمنع من لخلع لأنه إنما فيه الوعيد على السائلة الطلاق من غير بأس وهكذا نقول وليس في البأس أعظم من أن تخاف ألا تقيم حدود الله في الزوج). وأجاب على الحديث الثاني بـ(قال الحسن لم أسمعه من أبي هريرة قال أبو محمد – ابن حزم – فسقط بقول الحسن أن نحتج بذلك الخبر).

2- وأجاب الشوكاني في كتابه نيل الأوطار ج6 عن الحديث الأول ص257 بأنه حسنه الترمذي وذكر أن بعضهم لم يرفعه إلى صلى الله عليه وسلم. وأجاب عن الحديث الثاني ص292 بـ(أنه من رواية الحسن عن أبي هريرة وفي سماعه منه نظر).

3- وأجيب عن حديث (المختلعات هن المنافقات) مضيفاً إلى ما ذكر ما يلي:

أ‌- إن هذا الحديث يتنافى مع قوله تعالى (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) فهذه الآية الكريمة تنفي الجناح عليها وعليه وهي التي سألت وافتدت وهو الذي أجابها إلى طلبها والحديث المذكور يقول عنها حيث سألت أنها منافقة والمنافق عليه جناح النفاق وهو أشد من جناح الكفر بقوله تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) فالقرآن ينفي الجناح وهذا الحديث يثبته وما يتنافى مع القرآن يكون غير صحيح لهذا السبب.

ب‌- هذا الحديث عام يشمل المختلعات برضى الزوج وموافقته ويشمل المختلعات بواسطة المتدخلين من أهل الإصلاح والخير وشيوخ العشائر للصلح بينها وبين زوجها فيوجبون عليه إجابة طلبها وإخلاء سبيلها ويحلون النزاع بذلك حتى لا يتطور بينهما إلى اشتباك العائلتين وقد تحصل الجرائم كما يشمل المختلعة بطلبها الافتراق للافتداء بدعوى أمام القاضي عند امتناع الزوج وتعذر واسطات الخير بينهما ولم يقل مسلم بأن عموم المختلعات منافقا – وإلا لقالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة ثابت بن قيس. وحاشاه يفعل ذلك.

ت‌- هذا الحديث يتنافى مع الحق والمنطق والعدالة ومع قوله تعالى (أفلا تعقلون) إذ كيف يعطيها الإسلام الحق في التقاضي أمام القاضي المسلم المأمور بإقامة العدل بين الناس ثم إذا جاءت واستعملت هذا الحق وعرضت أمرها على القاضي يقول لها الإسلام أنت منافقة أن هذا غير ممكن وغير صحيح فالإسلام أعدل وأسمى مما يقولون وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

ث‌- ثم إذا أمكن أن يقال عن جميع النساء بأنهن منافقات فإن المرأة الصريحة التي نصرح عما في قلبها بأنها تبغض زوجها وتخشى ألا تقيم حدود الله تعالى فيما شرعه الله له من حق عليها وتفتدي نفسها منه فإن هذه المرأة لا يمكن أن يقال عنها منافقة وغاشه لزوجها لأن الصراحة من الصدق وأن الخشية نم عدم إقامة حدود الله من التقوى – والصدق والتقوى يتنافيان مع النفاق – ترى لو لم تصرح بذلك وأضمرت في نفسها بغضه وعاملته بهذا البغض وصارت تشغله بطلباتها ولو من غير حاجة فبددت ماله واستغلت طيبته وأهملت واجبه واستعدت عليه أولاده وأهلها ولم تخش الله فيما تتصرف به من تلك الأشياء –أيكون أفضل للزوج أو الأسرة أو المجتمع؟

ج‌- والتعبير بكلمة المختلعات) تعبير فقهي من اصطلاحات الفقهاء ولم يكن في العهد الأول نم الإسلام مما يدل على أنه غير صحيح وأنه من عبارات الفقهاء اللاحقين من باب الترهيب فقط.

لكل هذه الأسباب فإن الاستدلال بهذين الحديثين في هذا الموضوع غير صحيح ويبقى دستور الحياة الزوجية في الإسلام على الآية الكريمة (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان).

تاسعاً:

يؤيد ذلك ويقدم حقاً آخر للقاضي في دعوى المرأة أمامه طلبها الافتداء من زوجها المسمى بالخلع – وهو إلزام أبيها إذا كانت محجورة عليها مالياً وكانت بالغة – لم تكمل سن الرشد (أي عمرها من 15 سنة هجرية إلى 18 سنة ميلادية) أو كانت محجورة عليها لغير ذلك فيلزم القاضي اباها برد الصداق عنها وبالتنازل نيابة عنها عن جميع حقوقها الزوجية مقابل طلاق زوجها لها إذا كرهته ولم تستقم حياتها الزوجية معه وخشي أن لا تقيم حدود الله في البقاء معه لأي سبب من الأسباب فإن امتنع كل من الأب والزوج فيكون حكم القاضي هو الملزم للأب بالافتداء وللزوج بالتفريق مقابل الافتداء.

وهذا ما جاء في كتاب المعيار المعرب للإمام الونشريسي المالكي ج3 ص319:

(سئل عن امرأة بعث الحكمان بينها وبين زوجها فتفاقم الأمر واشتد الفساد ولم تشك أكثر من كراهيتها له فرضيت – وهي بالغ وقد مضى على بلوغها سنتان – بترك المهر ومبارأة الزوج وامتنع الأب من ذلك وشهدت بينة بأن من حسن النظر لها – أي المصلحة – مع حالها أن تترك زوجها وتسقط عنه الصداق. فهل يتم ذلك مع سخط الأب ويبرأ الزوج مع هذه القرائن أم لا؟

فأجاب إذا لم يقدر على الإصلاح وإزالة الضرر فإن للحكمين أن يسقطا الصداق عنه إذا كان الضرر من جهتها دون الزوج والأولى أن يجعل هذه البينة التي أشار إليها حكمين من أهلهما إن وجد إلى ذلك سبيلاً وينظر في الفراق على إسقاط الصداق وينفذ حكمهما به).

 
Banner
الرسائل البريدية
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31